إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٥٤٧

عن النبي أنه كان في موضع، ومعه أصحابه، وجاء إليه رجل وقال له: السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، ووقف بين يديه، واستأذن للقعود فأذن له وجثى على ركبتيه، وجعل عليهما يديه وقال: إنّي أريد أن أسألك يا رسول الله صلى الله عليك وسلم. فقال له: سل. فقال: أخبرني عن الإسلام؟ فقال له: هو أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، وأنّ ما جاء به محمد بن عبد الله عن الله هو الحق من الله، وأن تصلي الخمس، وتصوم شهر رمضان، وتؤدي الزكاة، وأن تحج البيت إذا استطعت إليه سبيلاً، فقال له: صدقت، إنَّ هذا هو الإسلام فهو كما قلت فعجبوا كيف يسأله، ويصدقه؛ كأنه متعرّض له يستخبره أيدريه أم لا، وليس المراد كذلك. فقال له: أخبرني ما الإيمان؟ فقال: هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وأنبيائه، واليوم الآخر، فقال: صدقت يا رسول الله صلى الله عليك وسلم إنّ هذا هو الإيمان كما قلت فأخبرني عن الإحسان، فقال له: هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك (1). فهذه رواية صحيحة، ولكن ما كان لا يتم الإيمان القلبي إلا بكمال الأعمال اللازمة الفرضية الجوارحية، والجوارح لا تعمل، ولا تترك إلا بعمل القلب صح أنّ الإسلام، والإيمان هما في الحقيقة معناهما واحد لا غير (2).

وأما الإحسان (3) فقد يكون بمعنى الإتقان للشيء كما يقال أحسن الصنعة، أي أتقنها، ويكون بمعنى شكر نعم المنعم، وعلامة الشكر أداء كمال الطاعة للمنعم، فعلى هذين الوجهين فالإحسان هو الإسلام [113 و] وهو الإيمان، ومعناه أداء أعمالهما وإتقانهما علماً وعملاً، وفيه زيادة من وجوه المعنى أنه زيادة البرّ فيكون معناه المعنيان الأولان، وهذا الثالث يدلّ على الوسائل بجميع أنواعها، ويكون معنى الرواية (4) ودلالتها أنّ النبي بدأ بما يسلم به المرء من أحكام الشرك عن القتل وأنّ الأعمال الظاهرة لا فائدة فيها إلا بإيمان القلب الباطن، ثمّ ذكر الإتقان في العمل الظاهر والباطن، وأنهما لا يصحان

(1) ينظر صحيح مسلم؛ الحديث الثامن، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، وفيه تتمة أن هذا السائل هو جبريل أتى يعلم الناس الدين، وينظر الملل والنحل، للشهرستاني، 1/ 35.

(2) للصوفية حديث طويل عن [الإسلام] و [الإيمان] يختلف عما قرّره غيرهم. ينظر على سبيل المثال موسوعة الحفني، ص 660، وما بعدها، وموسوعة العجم، ص 56، وما بعدها، و 128، وما بعدها.

(3) ينظر عن (الإحسان) عند القوم موسوعة الحفني، ص 630، وموسوعة العجم، ص 16، وما بعدها. (4) يقصد الرواية التي مرّت قبل قليل.

547