إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٥٥٢

على بذل نفسه في الجهاد والعبادة، ولم يبال (1) بشيء يحلّ له أن يعمله. وقيل إنّ رجلاً من العارفين مرّ بأدنان خمر قيل إنّها مائة دن، وعليها كثرة أناس أهل فساد، فجاء هذا وكسرها عليهم جميعاً إلا واحداً وقف عنه، فلما وقف عنده قبضوه أهلها، وذهبوا به إلى السلطان، فعجب من أمره وقال: ما حملك على هذا حتى لم تخف؟ قال: جذبت عن نفسي، فحدثت لي قوة غير قوتي، قال له: ولم قبضوك في آخرها؟ قال: ذنب عجلت عقوبته، قال له وما هو؟ قال: ذكرتك أنت حين ذلك فعلمت أنّي أسأت الأدب، فرددت إلى نفسي، وذهبت تلك القوة مني، وقد جوزي على ذلك من هو خير مني حين قال اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} (2) فلمحبته الله له لبث في السجن بضع سنين، فلو لم يكن من المقربين لما جوزي يوماً واحداً بذلك، وقوله صحيح؛ لأنّ السعي في خلاص النفس عن الظلم من الفضائل في حق المؤمنين، فلذلك قالوا: إنّ توبة المؤمنين من الذنوب، وتوبة الخواص من غفلة القلوب، وتوبة خواص الخواص من كلّ شيء سوى المحبوب (3) وهذا هو معنى قوله: نجائب وغرائب وكتائب، فافهم.

قال:

564 - فَمَرْجِعُها للحِس في عالم الشها دة المجتدي، ما النَّفْسُ مِنّي أحسّتِ 565 - فُصولُ عبارات، وصول تحية حصول إشاراتٍ، أُصولُ عَطِيَّةِ

يقول: وقد أشار إلى قول المقام المحمدي بلسان حاله منبئاً عن حالة مشاهدة نفسه أنّ النبي في مقام أحدية الجمع روحه شاخصة برؤيتها إلى أفقها عالم العلم الغيبي، ونفسه مرجعها، أي ونفسه للحسن، أي القوة الحاسة فيها بصفاتها الأربع، أو للحس، أي عالم الحس، وهو عالمها؛ لأنها هي الحاسّة، ومجالها بصفاتها الأربع في عالم الشهادة، وهو عالم الحسّ المجتدي أي الطالب المدد من الله تعالى لبقائه في كل لحظة فترى نفسه المحسوسات كلّها علماً متحداً، وقوله: ما النفس مني [114] أحسّت: وأراد بقوله: [ما] أي الذي أحسّت به هو منّي فلم تختلف رؤية الروح ما تراه عن رؤية النفس ما تراه، فصار

(1) في الأصل و [س]: [يبالي]. (2) يوسف، الآية 42.

(3) ينظر موسوعة العجم، ص 212، وينسب القول فيها إلى ذي النون المصري.

552