إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٥٦٥قال:
5 - وأُحضِرُ ما قَدْ عَزَّ للعبدِ جملةً ولم يَرْتَدِدْ طرفي علي بغمضة (1) يقول: وقد خص القدرة هنا فقال: وأحضر ما قد عزّ أي امتنع البعد، أي لأجل البعد جملة فأحضره بقدرتي، وقوة ذاتي، ولم يرتد طرفي علي بغمضة، أي قبل أن يرتد طرفي عليّ، وذلك مثل ما يراه المرء بعقله من مكان بعيد متى ذكره أحضره في عقله ورأى مثاله، وصورته في أسرع من لمح البصر كان قريباً أو بعيداً، والقريب والبعيد عليه سواء، وكلّ ذلك دلالة على العلم بصفات الله، وأنّ القريب والبعيد عليه سواء، فكلّ شيء لم يتصور في العقل من صفات الله جعل له مثالاً، مثل قدرته أنها لا نهاية لها جعل النار، وأكلها الحطب غذاء لها لا نهاية لها، وكذلك المتمم للمنطرقة المعدنية، وتغذيته بالروح، وبالكامل، أو بالناقصة بعد تكميلها به كلّما كثرت عليه الجسدانية بالكامل، وألقى على الروح، ثم ألقى على الكامل كذلك بلا نهاية أبداً أبداً.
قال:
1 59 - وأنشَقُ أرواح الجنانِ وعَرْفَ ما يُصافح أذيال الرياح بنسمة يقول: وقد خصَّ آلة الشم فقال: وأنشق أي وأشمُّ أرواح الجنان فيمكن أنه أراد روائح الجنان، ويحتمل أنه أراد ونسيم أرواح، أي حور عين الجنان، وأسمع كلامهنَّ، وأخاطبهن، ويخاطبنّي، وأعانقهن، ويعانقنني، وكلّ هذا يصح برؤية العقل، وأشمّ مع ذلك عَرْف ما يصافح أذيال الرياح، استعار لما تمس الرياح أشجار الأرض، وتأخذ من عرفها، أي روائحها مصافحة لها بأذيالها، ويحتمل أنه أراد رياح الدنيا، أو رياح الجنان، وأنّ كلّ هذا بنسمة واحدة، أي بشمة واحدة، وهذا يحتمل في درجة كلّ مَنْ شاهد ذلك برؤية عقله، ولكنّ الفرق بين المقام المحمدي وغيره أنّ المقام المحمدي يشاهد هذا عالم الآخرة، وعالم الدنيا، وعالم الغيب، وما في عالم الغيب من ذلك كله في كل لحظة وشمة وسمع، والمراد الباطن من هذا المثل أنّه ينشق أرواح الجنان إدراك الذات للصفات الإلهية؛ واستعار أرواح، أي أرواح حضرات التوحيد، وحقيقة التكميل بكمالها الذي هو البقاء الدائم له؛ لأنه كذلك الكمال يحظى بالقرب في الدنيا والآخرة، ويصافح أذيال
(1) في الديوان [حمله] بدل [جملة]، و [إلي] بدل [علي].
565