إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٥٦٨وهي كلمة وهي آية، وهي كتاب تام فيها علم التوحيد كما في الوجود كلّه، فكلّ الوجود ختمة، وكلّ ذرة ختمة، والقرآن العظيم كلّ حرف منه في مشاهدة الحضرات فيه هو حرف وكلمة وآية ختمة، فافهم هكذا القول بلسان حال حضرة أحدية الجمع، وكلّ من كان فيه من هذه الصفات في وصفه وفعله [118] إنما يمت، أي يتوصل بإمدادي له برقيقة، أي بلطيفة، أي شيء قليل لطيف من بحر كمالي الذي لا نهاية له، ولا يجوز أن يكون له نهاية، ولا يقدر إلا بإمدادي، وبهمتي أراد هنا الهمة بعض معناها فاستعارها للإرادة والمشيئة، أي بإرادتي، فإن قلت: إن الحضرات هي صفات الله، ولا تنسب المشيئة إلى الصفات، فالجواب: إنّ الصفات يراد بها الموصوف، ويصح أن يشار بها إلى ذات الموصوف؛ لأنّ في الحضرات أسماء الله تعالى، وهو السميع، وهو القدير؛ لأنّ الحضرات هو العلم به، وبأسمائه، والعلم بوجوب وجود ذاته، وفيها العلم بذاته؛ لأنّ علم الذات هو العجز عن الإدراك، فمن عرف عجزه عن معرفة ذات الله، ونزّهها عن كلّ شيء هو منزّه عنه تعالى، ووصفه بصفاته فقد عرف ذات الله وصفاته، وشاهده حقيقة، وحضرة أحدية جمع الجمع هي الحضرة الجامعة لجميع الحضرات المتجلي بها الله تعالى على عباده، ولذلك كان من قولها بلسان الحال: أنا الذي ظهرت في كلّ شيء، وفي كلّ جمال، وليس شيء ظهرت فيه إلاّ وهي جمال وكمال. وعنّي أي وبي من أمددته، برقيقة، أي بمادة قليلة، لطيفة تصرف مشاهدته عن مجموعه، أي عن تجلي حضرات جمعه في دقيقة، أي يشاهدها في لحظة واحدة، كل ذلك من فيض بحري كمالي الذي لا نهاية له، ومني لو قامت بميت لطيفة، أي لطيفة من إمدادي له لردّت إليه الروح، وأعيدت، وكلّ هذا إشارة إلى أنه من الله تعالى، وعن الله تعالى، وأراد أنّ هذه كلها كراماتي (1) للذين وصلوا إلى هذه المقامات، ويشير في الباطن إلى وصول الذات الإنسانية إلى المكاشفة بالكمال، وطيرانها في عوالم الملك والملكوت والجبروت بمشاهدة الحضرات الإلهية، وختمها بالرؤية في كلّ شيء، وإحياء الذات بها بعد موتها لعدم تجلّيها عليها، وتحلّيها بصفات بقائها، وأنها لتردّ عليها الروح، وتعاد حينئذ بها، فافهم ذلك.
(1) الكرامة: هي خرق العادة من قبل وليّ، ومن حيث النظرية فلا فارق بين الكرامة والمعجزة إلا أن الكرامة تختص بالأولياء، أما المعجزة فهي مختصة بالأنبياء، ولها طرق ووسائل كثيرة، ينظر عن الكرامة كتاب أدبيات الكرامة الصوفية، د. محمد د. محمد أبو الفضل بدران فهو مخصص برمته لهذا الموضوع.
568