إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٥٨٨المشتركة حياته التي هي أصلها الحرارة النارية وغذاؤها الماء ونسيم الهواء، كما ترى الإنسان يجذب الهواء بالاستنشاق فهو يلهب على نار روحه التي بها حياته عما يلهب صاحب الكور بالمنفاخ على ناره ومتى وقف عن النفخ بطلت النار، كذلك تبطل نار الروح متى انقطع عنها النفخ عنها، وكذلك الأشجار نارها تأخذ من نسيم الهواء، وأما حيوان الماء فلقوة حرارة لا يحتاج إلى نسيم الماء فإذا طبخت النار رطوبة الغذاء، وانعقدت جسماً في الجسم وكاد أن يجفّ الجسم، ويجفّ دهانة الرطوبة المستحيلة دهانة من الغذاء يطبخها؛ لأنّ النار لا تطلب إلا الدهانة فهي غذاؤها الإعصار والنار
،
والماء، فكان الحياة التي هي فهذه هي روح الحياة المشتركة في الحيوان والنبات الروح العقلية التي ذكرها الله تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ بل هي العقل، والعين البصيرية، وعيون العقل خاصة، والمعنى الثالث (1) الحياة الوجودية التي يشترك فيها كل موجود فإن كلّ موجود] (2) يسمى حياً حتى الأموات من الناس والحيوان فإنّ الغير الحي هو غير الموجود (3) أصلاً.
والمعنى الرابع الحياة أنوار المعرفة بالله تعالى في ذات المرء، وأنوار محبته الإلهية التي تقضي بها ذات المرء، وأنوار تجلي المحبة الرضائية على ذات المرء وأعماله، فإنّه مع أهل هذا العلم لا حياة لذات الإنسان إلا بهذه الأنوار الثلاثة، ومن لم يكن له منها شيء فليس هو بحيّ، والناظم أراد الإخبار عن قول الله في حضرة أحدية الجمع أنه لا جمع حيّ، أي لا شيء حي إلا بحياتي، أي بأنواري لأهل الأنوار، وبحياتي التي هي محبتي التي أودعتها في ذاته فأحبّت عنه رضائي، وبحياتي الحياة المشتركة التي أحببته بها، وبحياة إيجادي له، وطوع مرادي كلّ نفس مريدة لا تظنّ أنّ العاصي عصاني عن غلبة منه لي، ولا عن عجز أن أجعله راغباً طائعاً محباً لطاعتي فالكلّ في قهري، وملكي، وتصريفي، وقد قلت في كتابي فَلَوْ شَاءَ لَهَدَنكُمْ أَجْمَعِينَ} (4) وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا} (5) ولكن شئت كما شئتُ لم أَعصَ عن غلبة، ولا على جبر منّي له على المعصية، فافهم ذلك.
(1) لم يرد المعنى الثاني في السياق.
(2) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (3) في الأصل و [س]: [موجود]، وما أثبتناه الصواب.
(4) الأنعام، الآية 149.
(5) الرعد، الآية 31.
588