إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٥٨٩قال:
638 – فلولاي لم يوجد وجود ولم يكن شهود ولم تُعهد عهود بذمتي (1) يقول: فلولاي: ويحتمل مراده وجهين أحدهما ولولاي إثبات لوجوده سبحانه وتعالى، فيكون لفظ البيت فلولاي لم يوجد وجودي في آخر وجودي، أي لولا أنّ الله تعالى حق وموجود لم يوجد أي لم يعرف وجوده، ولم يكن ثمّ شهود ولا خلق، ولم يعهد، أي يوثق عهود بذمته، بالهاء المقلوبة تاء من غير ياء، أي لم يعهد أي يلزم عبادة أحد؛ لأنَّه [123 ظ] لا يكون شيء أبداً، إذ لا يصح أن يكون كونه إلا بمكوّن، وإذا لم يكن مكوّناً لم يكن كون، ولما صح وجود الكون والشهود صح أن لها موجداً أوجدها، وخالقاً خلقها، وإذا كان هو خلاق كلّ شيء، وقد صح أنه هو الخالق لكلّ شيء في هذه الحجّة العقلية (2) فكيف يُعصى عن غلبة، أم كيف يكون في ملكه ما لا يريده، بل كلّ ما يراه هو بإرادته، ومشيئته شاء أن يظهر من الطائع الطاعة، وشاء أن يكشف عن العاصي ما في قلبه واختياره المعصية، فركب له الذات كما ركبها لأهل طاعته، وركب فيها قوة على السمع، وقوة على البصر، وقوة على المنطق، وقوة على القدرة وقوة على الفعل، وقد علم أنه ليعصيه، ويكره منه المعصية إذ لو لم يكرهها له لم يكن عاصياً؛ لأنّ الطير تخرب على الناس، والحية تلدغهم، وتلدغ الدواب، والسباع يفترس بعضها بعضاً، وحيث لم أجعل ذلك لها لإظهار ما في نفوسهم من حيث لأعذبهن على ذلك لم يكن ذلك جوراً أبداً. وحيث شئت أهل الجنان لا يعصون، ولا يتخاصمون، ولا يضمرون سوءاً أبداً أبداً (3)، ولا يتغيرون على غير ما ينبغي بلا نهاية، فهذا ما يدلّ على أن كل الأمور بيدي، وأني قادر على كلّ شيء، وهذه كلها إشارات إلى علم القدر، فافهم.
والوجه الثاني قوله: لولاي، أي لولا إيجادي للطائع والعاصي، ولجميع الوجود لم
(1) يرد هذا البيت في الديوان قبل البيت السابق.
(2) هذه الحجة العقلية كما سماها الشيخ ناصر الله من أقدم الحجج العقلية، وأقواها على وجود الله سبحانه وتعالى، إذ نرى أفلاطون مثلاً يقول بها في حديثه عن برهان وجود الله كعلة فاعلة ومفادها أنّ كلّ ما يوجد بعد أن لم يكن لابد لوجوده من علّة مؤثرة فيه، وهي لا تؤثر إلا إذا اشتملت على قوة التأثير، ينظر الوجود عند فلاسفة اليونان، د. علي حسن محمد علي، ص 122، وما بعدها.
(3) تكررت (أبداً) هكذا في الأصل و [س].
589