إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٥٩٠يكن وجود أبداً، فيكون بهذا المعنى لفظ الوجود بضم الدال، ولم يكن شهود وإذا لم يكن إيجاد مني ولم يكن عهوداً بذمة عبد من عبادي يحتمل وجهين من المعنى: أحدهما: وإن لم يكن] (1) منّي عهود بذمة، أي تعبد به فكيف يعرف الطائع والعاصي، ومن أين يكون المرء عاصياً أو طائعاً؟ كما ترى السباع والحيات وكلّ دابة مضرّة حيث لم يكن ثمّ عليها تعبد لم يكن فيها طائعاً ولا عاصياً، كذلك يكون حال الناس لو لم أتعبدهم، ولكن شئت ذلك أن أتعبدهم، وكان ذلك في حكمي عليهم، وذلك لما جعلت لهم من العقول الدالة على إيجاب ذلك عليهم، فأوجبت عليهم ما وجب هو عليهم بالعقول التي فضّلتهم عليها، ولكن لو شئت غير ذلك لجعلتهم كالأنعام عقولاً، ولم أتعبدهم بشيء أبداً، ولكنّي أفعل ما أشاء، وهو الحق لَا يُسْلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ (2) وأهل التحقيق لا يكتفون بظاهر هذه الآية حتى يكشفوا صفاتي، وينظروا عدلي حقاً من جميع الجهات؛ لأنّ ذلك في علمي أنهم ليعصون لي إذا تركتهم على اختيارهم، وإن كنت قادراً على أن أجعلهم أهل محبة على طاعتي، وفي اختيارهم لم أشأ أن أردّهم إلى قدرتي عليهم وفيهم، وإذا كان في علمي أراهم كذلك فليس من الحكمة أن يترك الحكيم فاسداً في حضرته ولا يبعده
6
عنها وهم في حضرة شهادتي وشهادة العباد إليهم، وشهادة نفسه لنفسه إذا كان في عالم الشهادة يستحق بكفره العذاب، فكيف لا يستحق في عالم غيبي مع أنه خالقهم وخالق علمهم؟ لأنه لا يمكن أن يكونوا في الأصل شيئاً، والله عليم بهم لم يزل فيكونوا في الأزل مثالاتهم في عالم الغيب والأزل قديمة فيكون الله أزلياً، ومثالاتها أزلية، والله أعلم بها فيكون علمه بعلم، أي بعلمه ذلك التي هي غيره، وأوجدها وهي في العلم مثالات أزلية، فإن قلت: أفلا يوجب أنّ الله تعالى هو خالق علمه بها؟ فنقول: إن الله ذاته عليمة، وهو خالقها أولاً علماً فهو غير خالق علمه بل خالق الأشياء علماً، فإن قلت: أفلا يكون قد خلق علماً وهو علمه، ولا يعلمه غيره؟ فنقول: كذلك خلق الوجود، ولا خالق لها غيره، والعلم علمان: علم نفسه عالمة، وعلم خلقه علماً. والمعاني كلها علم وهو خالقها، وشرائعه علم وهو خالقها، فالله خالق الأشياء، وخالق العلم، وأول ما خلق الله الوجود علماً. والمثال في ذلك أنّ الصائغ الذي
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
(2) الأنبياء، الآية 23.
590