إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٥٩

فوق قدرتهم وقوتهم، وإن كانت القدرة تحتاج لها [العين])، وتحتاج الأذن ولكن يمكن أن يكون قديراً للسمع والبصر ولا يقدر على البطش أو بالعكس، وأما الشم واللمس [1] ببقية الجسد، وباليد أيضاً ففي الحقيقة كلّه من حاسة اللمس؛ لأنَّ الذوق لا يصح إلا بعد أن يلمس المذاق بفمه، والشمّ لا يصح إلا بعد أن يمسس لطيف الرائحة والج أنفه فيكون كلّ ذلك من فعل قدرة الذات على ذلك، ونكتفي بذكر اليد عنه فصح أن أسماء ذات المرء أربعة فافهم.

واعلم أنّي لما نظرت إلى منظومة هذا الشيخ واعتبرت معانيها فكنت كلّما لاح لي معنى من معاني شيء من بيوتها وسمت تحته بأشدّ إيجاز تذكرة (2) لنفسي لئلا يغيب عليّ حين أهمل أمرها، ولم يكن القصد ليكون كتاباً باقياً، بعدي، ولم أرسم غير تقدير لفظ البيت بمعناه وهو الذي قصدت بيانه لنفسي لأشرح المعاني، فإنّه لو شرح كل بيت ما يحتمله من المعاني لأفضى إلى مجلدات كثيرة، وللحق قارئه الملل (3).

وكثير من المفسرين يفسرون النظم معناه ولم يمزجوه بتقدير لفظ بعينه فيه حتى إذا أتمّ التفسير لم يقدر أن يقدّر ألفاظ ذلك البيت بذلك المعنى. والمثال في ذلك قول القائل: إنّي حريص بك وحريص عليك، فيعرف معنى الحريص أنه شديد الشفقة والضنانة بالشيء، ولكن لو قدرت معنى حريص بمعنى شفيق وضنين لم يتقدّر إلا شفيق بك وضنين بك، وتعذر عليه تقديره بعليك. فإذا أراد أن يقدّره بعليك فيكون شفيق ضنين ولشدة شفقتي بك وضنانتي بك لم أزل خائفاً عليك أن يصيبك ما أكرهه فيك فيكون معنى حريص عليك شفقة وضنانة معها خوف. وهكذا صفة مزج المعنى بتقدير ألفاظه وهو الذي طلبت نفسي معرفته من نظم هذا الناظم في منظومته، ولعلَّ الفَطِن تلوح له المعاني إذا انفتح له

التقدير.

(1) ما بين المعقوفين مطموس في الأصل، والزيادة من س. (2) يكرر الشيخ في مواضع كثيرة من الكتاب أنَّ هذا الشرح ليس كتاباً، بل هو تذكرة له، وهذا هو الموضع الأول، وفيه من تواضع العلماء، وتبينهم النقص في أنفسهم الشيء الكثير.

(3) يشير الشيخ ناصر هنا إلى عمق القصيدة واحتياجها إلى شرح طويل مبسوط مما يستغرق مجلدات، وهو أمر نراه ماثلاً في ديباجة ديوان ابن الفارض حين يسأله أحد أكابر علماء زمانه أن يأذن له في شرح التائية فيسأله ابن الفارض: في كم مجلد تشرحها؟ فقال: في مجلدين، فيتبسّم ابن الفارض ويقول: لو شئت لشرحت كل بيت منها

في مجلدين، ينظر الديوان، ص 82.

59