إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٦٠وقد شرح بعض من تلامذة تلميذ (1) الناظم بشرح سماوي أغمض معاني شرحه أشدّ غموضاً من معاني النظم وأبعد على الفهم بأضعاف مضاعفة، فصار كأنه لا فائدة فيه إلاّ للعارف لمعاني النظم (2)، والعارفُ لمعاني النظم غير محتاج إلى الشرح فسهلته بألفاظ قريبة، ولم أرد أن أورد معانيه التي أوردها للخلاف الذي بيننا (3) وبينهم فاخترعت لها معاني ظاهرة بينة موافقة للاستقامة؛ لأنَّ النظم يحتملها في التأويل، وما لا يصح في ميزان الاستقامة فليسه بتأويل لكلام يحتمل أن يؤول على طريقة العدل.
واعلم أنَّ لها تأويل باطن خفيّ علوي سماوي روحاني، وتأويل ظاهر جلي جسداني، ونحن اكتفينا بالجلي الظاهر الممكن فهمه بالغالب من العقول السليمة، وأعرضنا عن الباطن الذي ربّما إذا وقف عليه الغالب من المتعلمين تقصر عقولهم فإما أن يصوّروا ما لا يجوز، وإما أن يسيئوا بنا ظناً، وقال النبي وقال النبي: أعطاني ربّي ثلاثة علوم: علم أمرت بتبليغه وهو علم دينه تعالى، وعلم خُيّرت بين كشفه وكتمانه وهو علم الحقائق، وعلم أخذ عليَّ بكتمانه، وكلّ ذلك في الكتاب المبين (4). أما ما أُمر بتبليغه فقوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ، وَلَوْ كَرِهَ
كما
(1) لا يصرّح الشيخ ناصر هنا باسم هذا التلميذ، أو هؤلاء التلاميذ. الن يصرّح باسمه في ثنايا الشرح: غير أن أقدم شرح وصل إلينا للتائية الكبرى هو شرح محمد بن أحمد الفرغاني المتوفى سنة 699 للهجرة، ولم يرد في المصادر أنه كان تلميذاً مباشراً لبعض تلامذة ابن الفارض على حد قول الشيخ ناصر، غير أنه كان تلميذاً من تلاميذ الصدر القونوي المتوفى سنة 672 للهجرة، وكان القونوي نفسه تلميذاً لابن عربي | الصوفي المعروف، ولعل التلمذة المقصودة بعبارة الشيخ ناصر هي الموافقة في الطريقة والمنهج، وعند هذا يصح ما ذهب إليه، فإذا علمنا أن شرح الفرغاني شرح صوفي تغلب عليه نزعتهم، ومصطلحهم ترجّح لدينا أن المقصود هو شرح
الفرغاني الذي يشير الشيخ ناصر إليه.
(2) يقول د. مصطفى حلمي: « … إن بعض الشارحين لم يسلم من الجموح والشطط، ومسايرة الهوى، والذهاب في تأويل كثير من الألفاظ تأويلاً هو أبعد ما يكون عن المعاني التي تنطوي عليها، والمقاصد التي ترمي إليها»،
ينظر ابن الفارض والحب الإلهي، ص 95، ومن هنا تأتي أهمية شرح الشيخ ناصر الذي سيحدّد منهجه في
هذا
الشرح معتمداً على ثقافته الواسعة من جهة، ورغبته في الكشف عن أسرار هذه القصيدة بعبارة واضحة من جهة
أخرى.
(3) لعل الشيخ يريد الخلاف هنا سلوكه منهجاً مختلفاً عن أولئك الشراح السابقين الذين جعلوا الغموض سبيلهم وهم يشرحون القصيدة، أو إنَّه تنكب طرق شرحهم للاختلاف المذهبي بينه وبينهم، فاختط لنفسه طريقاً يوافق مذهبه وهو بهذا منسجم مع نفسه تماماً. (4) ينظر إحياء علوم الدين الغزالي، 20/ 1، وفيه كلام مفصل عن.
هذا الموضوع.
60