إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٥٩١يبدع النقوشات من غير أن يحكي مثالات [124 و] وجدها في نفسها، بل كلّما شاء أن يبدع نقشاً صوّره في الحال فكان أولاً مثلاً، فإبداعه لصور النقوشات هو العلم الذي نقشه به فلم تزل به عليمة، وعن ذلك العلم صدر ظهور النقوشات فكذلك ذات الله عليمة، ومتى شاء إيجاد شيء من علم وغيره كان، وقدرته على الإيجاد بلا نهاية في كل لحظة، ولكنّه لا يشاء ذلك، فالموجودات لا نهاية في علمه، ولا نهاية في قدرته على الإيجاد إذا شاء، ولكنه لم يشأ إلا ما شاء، وليس هي مثالات يراها ولكنه لا يريد إبداعها؛ لأنها لو ثبتت مثالات لثبت إما أن يكون هو أخرجها مثالاً، ورجع القول إلى ما قلناه إنّه هو خلقها أولاً علماً، وإما أنها لا توجد لا مثالاً ولا شيئاً إلا ما أراد كان وما لم يرد لم يكن، فافهم، فإنَّ بحر التوحيد بحر عظيم، والقدرة بحر عظيم، والغوص فيه ينتهي إلى هوية (1)، كما أن جميع الأمر ينتهي إلى هوية، وأقلّ شيء ينتهي إلى هوية إن قيل هذا الهواء ما هو؟ وأي شيء، وما فوق الفوق، وما تحت تحت فإن كان هواء فما نهايته؟ وإن كان غير هواء فما نهايته؟ وإذا كان هذا علمه ينتهي إلى هويّة فما ظنّك بتوحيد الله الذي لم يكشفه لأحد في خلقه من قدر وغيره؟ فافهم ذلك، فإنّ هذا كله أراد به بيان القدرة بهذه الأبيات.
قال:
ولا ناظر إلا بناظر مقلتي)
(2)
(3)
639 – ولا قائل إلا بلفظي مُحدِّث 640 - ولا مُنصت إلا بسمعي سامع ولا باطش إلا بأَزُلي وبطشتي 3 641 - ولا ناطق غيري ولا ناظر ولا سميع سواي من جميع الخليقة يقول (4): وقد أتى أسماء الذات الإنسانية أسماءها الأربعة التي هي السامعة، والناظرة، والناطقة، والباطشة، وأراد الإخبار عن نبأ الحالة عن قول الله تعالى في بيان قدرته أني أنا
(1) هوية يريد بها القرار السحيق البعيد.
(2) في الديوان: [بقولي] بدل [بلفظي]. (3) في الديوان: [وشدّتي] بدل [وبطشتي].
(4) يفضل الشيخ ناصر الله هنا الحديث عن مسألة دقيقة من مسائل علم الكلام هي (صفات الله) التي أطال علماء الكلام الحديث فيها، واختلفوا حولها، ولعلَّ قصد الشيخ هنا هو التنزيه المطلق لله سبحانه مع إثبات القدرة، أي إنه «قدير بذاته لا بقدرة هي غيره على حد قول الإمام السالمي في مشارق الأنوار، ص 184، وقد فصل د. مبارك الهاشمي هذا الأمر تفصيلاً ممتازاً في كتابه (الإمام نور الدين السالمي وآراؤه في الإلهيات)، ص 153، وما بعدها فلينظر هناك.
591