إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٥٩٤

وَالْخَيْرِ فِتْنَةً (1)، وقوله جلّ ذكره: وَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (2)، وقوله تعالى: وَنَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (3). وكفى بإلهام الله تعالى للنفس فيما لا تعرفه من قبل أنه لم يُعْصَ عن غلبة؛ لأنه هو المذكر لذاته فيما يعصيه فيه، أو فيما يطيعه فيه، فلو لم يكن أراد كشف طاعة المطيع، وكشف معصية العاصي من العاصين لم يذكره بذلك، ولم يبله بما يعلم أنه يعصيه به وفيه أو يطيعه به وفيه باختيارهما، وأصل الفراسة (4) عند أهل الظواهر هو الذي يتحرّى توقع الأمور التي ستجرى في تدبير الله تعالى فتكون كما توقعها، ولكن هذا استعار ذلك لقوة فطنة الذات التي يأتيها الإلهام من عالم الغيب والخواطر التي تخطر عليها من حيث لا تدريها ممّا يريد الله أن يبتليها بها ليطيعه فيها وبها أم ليعصيه فسماها فراسة؛ لأنها هي والفراسة المعروفة كلاهما من عالم الغيب ورؤية الروح، فافهم ذلك.

قال:

644 - وفي رَحَمَوتِ البَسْطِ كُلِّيَ رغبةٌ بها بسطت آمال أهل بسيطة (5) يقول: بلسان قول حال النبي، وفي حضرة الرحموت: والرحموت لغة في مبالغة الرحمة، والبسط عظم سعتها. أراد: وفي مشاهدتي لجلال جمال عظمة لطف سعة رحمة الله تعالى كلّي رغبة، أي كلّ قوة من قواي [125 و]، وكلّ جزء من أجزاء ذراتي رغبة لها، أي إليها انبسطت أي رغبت ونشطت آمال أهل بسيطة: أي أهل أرض الدنيا، ويحتمل أنّ ضميره في (لها) إلى سعة الرحمة، أو إلى رغبة، وإلى ما رغب فيه من وصول مقام كمال الجمال، والكلّ، متوجّه، ولكن إذا كان المراد بالبسيطة أجزاء تركيبه الترابية فيكون لفظ (بسيطتي) آخرها ياء الإضافة ويكون أهل 1 (6) الأجزاء، واستعار لها الأهل؛ لأنّ الرغبة لا تكون إلا ممّن يعقل. يقول بعدما ذكر رغبة قواه، ذكر رغبة أجزاء بسيطتي، أي ترابيتي، وأراد بذلك الحثّ ليكون كلّ طالب لهذا السلوك كذلك، فافهم.

(1) الأنبياء، الآية 35.

(2) هود، الآية 7. (3) الأعراف، الآية 163.

(4) ينظر عن الفراسة عند العرب كتاب فضل العرب والتنبيه على علومها ابن قتيبة الدينوري، 13612، وما بعدها.

(5) في الديوان [بها انبسطت] بدل [لها بسطت].

(6) ما بين المعقوفين بياض في الأصل و [س] بمقدار كلمة، وهذا من غريب الاتفاق.

594