إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٦٠٦وظهوراً. وضرب لك في ذلك مثلاً تدبير ذاتك بمظاهرها، وإبداع الحريري لمقاماته التي هي مثال وعلم، هل كانت قبل أن يبدعها مثالاً يراها بذاته، أم لما أراد إبداعها كانت فرآها بعد ذلك؟ وهل يقال قبل إبداعها غير عالم بها، إذ لو كان غير عالم بها، أي بإبداعها لم يقدر على إبداعها علماً مثالياً، ولا يقال أبدع لذاته ذلك العلم فصارت به عالمة؛ لأنه لو لم تكن نفسه عالمة إلا حين أبدع تلك المثالات فصار عالماً إذ كان عالماً بها يراها كذلك لما قدر على الإبداع؛ لأنه إذا كانت نفسه غير عالمة إلا حين أبدع ذلك لم يقدر على الإبداع أصلاً، وهذا مثال يخبر به عن الله تعالى أنه هو أبدع الأشياء علماً مثالات، فكانت أشياء ولا يقال إنها كانت أشياء يراها أشياء، ولا أنَّ ذاته غير عالمة بذلك؛ لأنها لو لم تكن عالمة لما قدرت على إبداعها علماً، ولا يوجب أنها إذا كانت ذات عليمة بها كانت أشياء يراها، كما أن ذات الحريري لا تسمّى غير عليمة بما أبدعه، ولا يوجب أنها كانت قبل إبداعه لها يراها أشياء، وإنّما رآها حين أبدعها كذلك الله تعالى رأى الأشياء كما لتكون حين أبدعها علماً، فإن قلت أفليس هو عليم بها قبل أن يبدعها؟ قلنا إنه لم يزل عليماً قادراً على إبداعها، وقبل أن يبدعها ليس هي شيء أصلاً، فلا يقال إنَّه عليم بها [128 و] لأنها ليست بشيء، ولكنّه عليم بإبداعها، ولو لم يكن عليماً بإبداعها لم يقدر على إبداعها فافهم، فإنَّ الله لم يزل عليماً بالأشياء على إبداعها، لا أنها كانت أشياء، وهو عليم بها ونفسه لم تزل عليمة بالإبداع كما يشاء، فإنّ الله لو شاء لغير الوجود على غير هذا الترتيب، ولم يرده، ولا يوجب أنّه لم يزل يوجد الأشياء كما في قدرته، إذ قدرته لا نهاية لها، والأشياء في علمه نهاية، وقادرة ذاته على أن يوجد الأشياء بلا نهاية، فتكون كثرة الأشياء بلا نهاية، ولكنّه لم يشأ فكانت لكثرتها نهاية، كذلك قدرته في تكميل الأشياء بأكمل من كمالها هذا بلا نهاية فيكون كمالها في قدرته بلا نهاية، ولكن لم يشأ ذلك فصار كمالها له نهاية، ولا شيء بعد تلك النهاية؛ لأنه لم يردها الله تعالى فلم يكن شيئاً، ولو وجب أنّ الأشياء بلا نهاية لوجب أنها قديمة بلا نهاية؛ لأنه يكون علمه فيها بعد ذلك الإيجاد، وعلمه فيها قبل الإيجاد بلا نهاية فتكون قديمة، وأن مخلوقه دلّ على أنها كانت غير شيء، وإنّما نفسه عليمة وقديرة، وكانت في سابق علمه أي في قدرة إيجاده لها، وعلمه بإيجاد لها. فإن قلت: حيث انتهيت إلى هذا المقام في التوحيد الخفي: أليس يدخل فيه علم القدر، وأنّ الله هو خالق النفوس منها طيب ومنها خبيث، ولم تكن هي في الأصل نفوس، والله عليم بها علماً أزلياً إذا ثبت
606