إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٦٠٧

أنها لم تكن في الأزل نفوساً، والله عليم بها، وخلقها للاستحقاق لنظره إليها أنها عاصية في علمه؛ لأنك نفيت أنها كانت غير شيء أصلاً لا اسماً، ولا رسماً، ولا مثالاً، ولا علماً، وإنّما الله نفسه عليمة، وقادرة على كل شيء يبدع ما شاء، فأبدع النفوس فكان منها طيب هو أبدعها طيبة، وكانت في علمه أنها لتكون طيبة من حين أبدعها، وكانت الخبيثة خبيثة في حين أبدعها مثالاً في عالم الغيب، والمثال هو العلم بها في علمه بها، فكانت في سابق علمه كما هو أبدعها مثالاً علمياً. فنقول: في ذلك: اعلم أنّ الله تعالى قبل أن يخلق الخلق في عمى (1) أي لا يعرفه، ولا يعرف توحيده أحد، ولما خلق الخلق، وكشف لهم من توحيده ما أراده أن يتجلى لهم به عليهم فهو الذي عرفوه به، وهو كذلك كما كشف لهم من معرفته حقيقة لا يجوز خلافها، وما لم يتجل لهم به من معرفته، فهو عن الخلق في عمى، فالعلم بالله تعالى كله ينتهي إلى عمى مما لم يكشفه توحيده، وما كشفه فلا يجوز أن يكون على ذلك، وممّا وصف به نفسه أنّه عدل كما هو في صفة العقول النورانية، وأنه لم يجبر العباد على معصية ولا على طاعة، وأنّه عليم بمن يعصيه أنّه ليعصيه، وبمن يطيعه قبل أن يطيعه؛ لأنه لو ثبت غير عالم به دلّ على أنه ليس بكلّ شيء عليم، ومن لم يكن بكلّ شيء عليم لم يقدر أن يخلق شيئاً أصلاً، ولا يعرف شيئاً أصلاً؛ لأننا نحن صرنا نقدر على شيء دون شيء بما هو أقدرنا عليه، وإذا لم يكن قادراً على كلّ شيء لم يقدر أن يقدر الناس على شيء فدلّ على أنه بكلّ شيء عليم، وليس العلم بالشيء يوجب الجبر عليه، والله تعالى وإن كان خالق النفوس في أول الأمر، وأنها لم تكن من قبلُ شيئاً هو لم يزل عليماً بها فإنّ نفسه عليمة قادرة، ولا يصح في وصفه أن يقال إنّه لم يزل يزداد علماً بما يخلق، ولا أنه كذلك علمه لا يزيد ولا ينقص، ولا أنّه يبدو له أمور لم تكن قد بدت (2) له من قبل كالتذكر لشيء لم يكن ذاكره من قبل، فيكون قد بدا له نظر آخر لم يكن به عليماً من قبل، وإن كان الله تعالى من قبل في عمى.

وقوله: كنزاً لم أعرف فأحببت أن أعرف فحينئذ أحبّ أن يعرف، ولم يكن من قبل له

-

(1) هذا الكلام يستند إلى حديث نبوي مرّ الاستشهاد به، وتخريجه، وشرحه. (2) يتحدّث الشيخ ناصر الله هنا عن مبدأ تقول به بعض الفرق وهو (البداء) وله معان مختلفة، منها البداء في العلم أن يظهر لله - تعالى الله. وهو خلاف ما علم، والبداء في الإرادة وهو أن يظهر له صواب على خلاف ما أراد وحكم، والبداء في الأمر وهو أن يأمر بشيء ثم يأمر بشيء آخر بعده بخلاف ذلك. وغيرها، والشيخ يعرض جوانب من هذا الموضوع، وينزّه الله تعالى عنه، ينظر عن (البداء)، الملل والنحل، 1 [118، وما بعدها.

607