إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٦٠٨أنه
هذا النظر بل بدا له، وأحبّ أن يعرف. فالله تعالى منزّه عن هذه الصفات كلها فإنّ بحر التوحيد ينتهي إلى عمى، وذاته لم تزل عليمة بكلّ شيء بما سيكونه من قبل غير شيء، ولا يقال إنّه مضت عليه مدة لم يرد ذلك، وأنه أراد التأخير في هذه المدة، وفيما [128 ظ] مضى له، وعليه من المدة لم يرد ذلك فإنَّه لم تكن هنالك مدة ولا زمان ولا حين، وفي كلّ صفة من صفات الله تعالى نهايتها ينتهي علم الخلق فيها إلى عمى، ليس علم القدر مخصوص بهذا حيث ينتهي إلى عمى، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (1)، وقد نهى كل نبي لقيه عن الغوص في علم القدر، وعن التفكّر في الله تعالى. وروي عن النبي قال [تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله تعالى) ولكن حيث انتهينا في علم التوحيد إلى هذا المحل فلا بد أن نتكلم في القدر بمثال يصح تصوره لئلا تصور النفوس في الله تعالى أنه عدل بالإقرار والتصديق دون المكاشفة، ونحن في سياق المكاشفة في توحيد الله تعالى فنترك مكاشفة علم القدر، وإن كان الإقرار والتصديق بعدل الله تعالى، وإن عدل في كلّ شيء، وأنه لم يجبر العباد على معصية، ولا على طاعة، وأن للمرء قدرة على اختياره لأحد الطريقين، وأنه إن عصاه فباختياره، وإن أطاعه فباختياره كاف لأهل التقى، ولكن اكتفاء بذلك عن مكاشفته سبحانه وتعالى بعدله في القدر مما يقدح بالظن في الله تعالى فكان لابد من الدخول فيه فنقول: اعلم أنّ الله تعالى، نعم خلق النفوس، وكلّ شيء من قبل أن يكون شيئاً، لا مثالاً ولا علماً، ولكن المثال في ذلك أنّ الله تعالى خلق أوّل ما خلق نور (3) من تجلي نور العلم به جل وعلا، ولم يكن وجود لشيء إلا من ذلك النور، وخلق منه القلم ذاته وروحه ونفسه، وليس هو قلم جسمي، وإنّما هو من النور، وليس هو نور أبيض كما هو المعروف في نور الشمس، ويحتمل أن يكون له صورة، وخلق اللوح من نور القلم ونفسه وروحه وذاته وليس هو لوح جسمي، وفي ذلك اللوح جميع العلم مجملاً ومفصلاً بالمثالات والمعاني والهيئات، وخلق الله تعالى الملائكة من ذلك النور اللوحي، ونفوسهم من نفسه، وأرواحهم من روحه الكلية، وذواتهم من ذاته، ولم يختلط خلقتهم بالكثائف ولا بالطبيعة الكبرى، ولا بالطبيعة الوسطى (4) فلم يكن بينهم في
النبي
(1) الإسراء، الآية 85.
(2) مرّ تخريج الحديث.
6
(3) وقفنا بتفصيل عند هذا الموضوع فيما سبق.
(4) أشرنا إلى الطبائع الأربع فيما سبق، وهناك طبيعة خامسة. الطبيعة المجرّدة، وهي من صفات الملائكة، على
608
مي