إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٦١١

هي

يلتفت إليها، كما أنّ نفس الطائع تدعوه للالتفات إليها لتزيد خيالها فلا يلتفت إليها، فهذه القسمة الأولى من الله تعالى للطائع والعاصي أنهم كلهم مخلوقون من شيء واحد: من الماء والتراب، والجن من النار، وكلّهم ممدودة ذواتهم من شيء واحد من جميع ما هم فيه، وعليه الذي به كانت طاعتهم، وبه كانت معصيتهم، لا أنّه خلق كل نفس من أول الأمر منفردة بذاتها هذه طيّبة، وهذه خبيثة، وإن كان الله عليماً بانقسامهنَّ فليست القسمة مما توجب الجبر؛ لأنه لو قسم أحد شيئاً، وأمره أن يعمل به شيئاً فخالف، ما كانت تلك القسمة موجبة لجبره على خلافه، والمثال في القسمة والإمداد من شيء واحد لذات كلّ امرئ من شيء واحد هو مثال دخول ضوء [129 ظ] الشمس والهواء من كو بيت كلّ أحد إلى بيته، ومثال الخيالات وتهيؤها له، والمثالات مثل ما هيّأ الله تعالى له أنواعاً من البلور منهنّ أبيض، ومنهن أحمر، ومنهن أسود، وأوعده إن نصبت على ضوء الشمس الأحمر أشرق في عينيك وأذهبها، وإن نصبت الأبيض زاد نور البيت وقدرت أن تنظر ما شئت في البيت و إن نصبت الأسود نقص ضوء الشمس، وضوء البيت، وجعل القدرة له على الاختيار، وعلى استعمال ما شاء، فمن أحبَّ الأحمر لحسنه حتى أذهب نظره، ومن استعمل الأبيض وزاد نوره وهكذا المثال في القدر، وفي اختلاف نفوس الناس، وأن معاصيهم من أنفسهم، وأن طاعتهم من أنفسهم، فلو كان كما قلت إنّ الله خالق كلّ نفس وحدها، هذه طيبة، وهذه خبيثة لكان كما قلت ولكنَّ الله تعالى قد عدل في القسمة، ولم يخلقهم على اقتداره عليهم فإنّه قادر على أن يخلقهم كلّهم على طاعته، ولكنّ هذا الاقتدار هو قسمة ثانية لا يستحقون به ثواباً إن أطاعوه، ولا تتبين به معصية عاص، ولا طاعة مطيع، ورفع هذه القدرة منه عليهم، وهذه الكرامة في حين الاستخبار عن الفريقين جميعاً، وإنما يتولى نفوس أوليائه بقدرته عليهم في الآخرة، فلأجل ذلك أهل الحسنة لا يتغيرون، ولا يتبدلون، ولا يزدادون علماً، ولا ينقص علمهم ولا تنقص مشاهدتهم، ولا يزدادون كل يوم مكاشفة، ولا يجهلون صفة لله تجلى بها عليهم، ولا يتغيرون على بعضهم بعضا بكراهية، ولا يطمعون بما مع بعضهم بعضاً، ولا يزدادون حباً، ولا شوقاً بعضهم لبعضاً، ولا يصح أن يبلغوا هذه الدرجات إلا إذا تولّى هو قلوبهم بقدرته عليهم، ولو شاء جميع أهل الأرض (1)

(1) يقصد: ولو شاء جميع أهل الأرض عكس ذلك لكان الله قادراً على أن ينفذ أمره.

611