إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٦١٢

أن يكونوا كذلك لكان قادراً لقوله تعالى: {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَنكُمْ أَجْمَعِينَ (1). فإن قلت: إنّ كلامك هذا يدلّ على أنّ النفس نفس واحدة مثل ضوء الشمس، فإذا رجعت كلّ نفس إلى عالمها رجعت غير دنسة كضوء الشمس متى زال عن كوّ ذلك البيت، وقد قابله صاحب البيت بألوان فتلون بألوان ما قابله رجع غير متلوّن، ويصير الكل نفساً واحدة كما كانت، فقلت بوحدة النفوس، وقد اختلف أهل العلم في وحدتها وتعدادها، وكأنك أخذت بقول من يقول بالوحدة فيها؟ فنقول: إنّا ضربنا به مثلاً للإفاضة لا من كلّ حيثية هو كذلك، ونقول بوحدتها في عالم الأرواح والأنفاس، وعالم المعاني، وعالم القوى، وأما بعد ليظهر الباري سبحانه وتعالى عدله حقيقة لأهل الكشف، وأما بعد الإفاضة فلكلّ امريء نفس، ولو شئنا لمثلناه بالبحر لجاز، وقلنا: إنّ عالم الروح هو بحر واحد، وعالم النفس بحر واحد، وعالم المعاني بحر واحد غير متجزئ، وبحر القوى بحر واحد، وبحر الاختيار بحر واحد، وبحر القوة كذلك، وقوة السمع والبصر والقدرة، وكل قسم أعطي المتعبدين إنّما أعطوا من بحر، واحد، وخلقوا جميعاً الناس من الماء، وهو واحد، ومن التراب وهو واحد، فبعضهم يحسّ ما يفيض عليه من تلك البحور باختياره، وبعضهم روّقه وصفاه مما لحقه من الغبار وممّا يلحقه، ولم تزل تصفيته تارة بالعلقة كما تصفّي الحكماء الماء الملحي بالصوف والشعر، ومنهم من يعطّره بالفرع والأسو (2) حتى يحرّ، ويكرر عليه التصفية حتى يخرج من ملوحتهم أصلاً، والكلّ مهيأ له إلا مَنْ أبى، والقدرة والمعرفة مبذولة عند من يعرفها، والنجاسات لمن شاء أن ينجسها فهي خلقها للجميع، والاختيار في الكلّ، والقدرة على ما يختاره في الكلّ لكان مثالاً مقرباً لذلك أيضاً، وصح أنّ كلّ أحد له قسمة، وجاز تصحيح القولين بالقول بالوحدة، والقول بالتعداد على هذا كلّ قول في محله، فافهم ذلك.

قال:

657 - فكُنْ فَطِناً وانظر بحسّك مُنصفاً

لنفسك في

أفعالك الأثرية

(1) الأنعام، الآية 149.

(2) الأسو، ولعله الأسوس وهو حجر يتولّد عليه الملح الذي يسمى زهرة أسوس، ينظر المساعد، للأب أنستاس

الكرملي، 1/ 228.

612