إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٦١٤

جميع

بالصفات إن كنت عالماً به بما عرفته به وبعلمه الذي علمته، وصح أنك مرآة لتجلي صفات ذات الله في ذاتك وصفاتك، وظهر علمك، وهو علمه لا غير في الوجود، وكان الله ملك الموجدات فالله مالك الملك، وأنت مالك، وأنت مالك الملك إن اتصفت بصفاته ملكت الملك بالعلم والتصريف في محال ما فيه من العلم، فصار الكل مرآة لتجلي صفات الله وعلمه لم يبق شيء إلا. وهو علم الله، وثم علمك، وهو علم الله تعالى، وهذا لا على طريق التشبيه، ولكن بعض من العلم لا يمكن كشفه إلا بطريق التمثيل، وكلّ هذا لتعلم أنّ كلّ شيء يسبح بحمد الله، وأنه سبّح لله كلّ شيء، وقوله تعالى مَا أَشْهَدتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ} (1) ولتعلم أنه ليس شيء في} جميع الوجود عاصياً لله إلا نفس هذا الخبيث العاصي من الإنس والجن والشياطين، يا ويحه من عذاب الله وعقابه، حيث جعله الله تعالى حاكياً لجميع صفاته بالدلالة عليه من غير حلول ولا اتصال، فإذا اتصفت صفاتك الأربع بصفاته الأخرى التي يمكن أن يتصف بها المرء كنت [130 ظ] قريباً منه، إذ ليس القرب منه غير الاتصاف بوصفه وصفاته حيث جعله حاكياً صفاته كالمرآة، فإذا تجلّت فيها صفاته صح القرب الأعظم، وهذا هو معنى قوله في صدر النظم، ولم تَفْنَ ما لم تكن في فانياً، ولم تَفْن ما لم تتجلّ فيك صورتي، أي صورتي، وهو معنى قوله: [إن الله خلق آدم على صورته] (2) أي على صفاته، أي حاكياً لها كالمرآة، ولم يقل كصورته ليخرج من التشبيه، ولم يقل على صفاته لئلا يظن أنّ الصفات هي على سوى (3)، ومعلوم أنّ الله تعالى لا يوصف بالصورة فأوضح بالمفهوم اعتزالاً عن أوهام الأفهام، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم حاكياً عن الله تعالى [ما تقرّب عبدي إليّ بشيء أحبّ مما افترضته عليه، وإذا تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً وإذا تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته أهرول، ولا يزال يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ولسانه التي ينطق بها، ويده التي يبطش بها، فبي يسمع، وبي يبصر وبي ينطق، وبي يبطش (4)، واعلم أن المراد بالاتصاف بصفاته، أي بمعناها وبتجليها على مرآة عقلك، والعمل بها إليه لا بذاتها؛

(1) الكهف، الآية 51.

(2) مرَّ الحديث عن هذا الحديث وتخريجه.

(3) أي على شيء واحد متشابه.

(4) مرّ تخريج الحديث.

614