إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٦١٩

بالنون (1)، وما بأمسك، وما يجري عليك في غدك، أي في يوم القيامة، والحشر، والنشر، والحساب، والثواب والعقاب، وغفلت عن هذا كله فأصبحت، وأصبح كلّ ذلك العلم تراه كما كنت تراه، أتحسب أنّ أحداً ألقى إليك علومه، وأنه جاراك في حين أنت منتبه، وهو واصل إليك؟ كلا، ما هي إلا نفسك التي هي ذاتك وروحك، لما فتحت عينهما شاهدت ما شاهدته أولاً كما ذكرناه إلى تمام الشرح؛ لأنّ شرح البيتين الآخرين لا يختلف، وإنّما تحتمل هذه المعاني التي ذكرناها في التي قبلهما. والمعنى الثالث: هو كذلك للأبيات التي قبلهما أنه يحتمل أن يكون معنى قوله: فقل لي من ألقى إليك علومه بالرؤيا الصادقة، وجميع ما تمثل إليك فيها من علم ما سيكون، أو ما قد كان قبل علمها هي من جهة الحواس أو الإلهام، وقد رقدت (2) منك الحواس بغفلة: أي بمنامك، والنوم لا يأتي على الحواس إلا على حين غفلة منها، وذلك إذا غطّت عين العقل، وأغمضت كما تغمض العين رقدت بالنوم، وذهبت حواس جميع الحواس حتى تنتبه، وما كنت تدري ذلك الذي رأيته قبل يومك بالتعليم، ولا علمته بأمسك، ولا تعلم ما يجري عليك بغدوة فأصبحت ذا علم بأخبار من مضى، وبأسرار من يأتي مدلاً، أي مخبراً [132 و] بخبره، أي بدلالة منك، وهي الرؤيا الصادقة. أتحسب مَنْ جاراك: أي تظنّ أنّ ذلك من أحد غيرك جاراك، أي ساوقك على عقلك فألقى ذلك عليك في سنة الكرى سواك ألقى عليك بأنواع العلوم الجليلة؟ كلا، فما هي إلا النفس عند غيبتها عن حواسها، واشتغالها بعالمها، عالم الغيب، أي إذا دارت جهتها التي على عالم الغيب تجلت لها بالغيب من عالم الغيب في شكل هداها أي في مثال هداها أي فهم المعاني الدقيقة من عالم الغيب، مراده هنا هو عالم اللوح الذي فيه أمثال كل شيء (3) إن كانت الرؤيا حقاً، وإلا فالنفس دارت جهتها إلى عالم الخيال فتجلّى لها خيالاً، ولم يكن له تأويل، فافهم ذلك.

قال:

(1) في الأصل: [بالنوم] بدل [بالنون]، وما أثبتناه من س وهو الصواب لتلاؤمه مع السياق، يريد اليوم وليس النوم. (2) في س: [ركدت] بدل [رقدت]، كما مرّ سابقاً. (3) عالم اللوح كما يشرحه الشيخ ناصر الله يقترب كثيراً من عالم المثل الأفلاطوني وهو عالم الصور المجردة، والحقائق الخالدة، وهي لا تدثر أو تفسد، ولكنها أزلية أبدية، وليس ما نراه في العالم المحسوس إلا ظلالاً العالم المثالي المتعالي، ينظر عن المثل الأفلاطونية تاريخ الفلسفة العربية، د. جميل صليبا، ص 40،

من

ذلك

وأفلاطون، د. فؤاد الأهواني، ص 107.

619