إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٦٢٢6
شك بعد بلوغ الحجة له بالمعرفة بذلك من سماع أو خاطر ببال فعقله، ومع هذا سماه الله من علم الغيب، فصح أنّ اسم الغيب (1) يطلق على معانٍ من أقسامه، وأنه على أقسام، فمنه غيب لا يصح أن يظهره الله على أحد من خلقه، وهو مثل تجلي كمال شيء من صفاته قدر ما لا تحتمله العقول، أو لا يحتمله الوجود، ولو تجلّى عليه كذلك لتلاشي، وصار لا شيء كما كان قبل وجوده، كما تجلى للجبل قدر ما لا يحتمله فتلاشى، وصار لا شيء. ومنه ما لا يظهره على الجميع، ويظهره على البعض كالملائكة، فانظر بأي شيء يعلمون خطاب الله لهم، وكتبه المنزلة على الرسل، أليس ذلك من طريق المكاشفة؟ ومنه ما يكشفه على الرسل والأنبياء على ألسنة الملائكة كعلم الدين، ومنه بالإلهام، والمكاشفة لهم، ومنه ما يكشفه الله تعالى لأوليائه كما عرفته في الخضر ا، ومنه ما يكشفه للسالكين إليه بطريق المحبة، وقراءة الاسم الخماسي المخصوص، ولكشف الحقائق إلا أنه مع قوة الرغبة إلى الله تعالى، وإلا فلا تأثير له، ومنه ما يكشفه الله لأهل الشريعة فيستخرجون من العلم فيها بعقولهم ما لم يسبقهم به أحد، وهو من علم الغيب بالإلهام؛ لأنه لم يعلمه من أحد. ما يظهر للخلق من إبداع الصور والمثالات كالشعر، والحكم، والصنائع، وإلى غير ذلك مما يستخرجها من عقله، وكانت غيباً لم يحط بذلك غيره، أو أحاط به غيره إلا أنه هو لم يأخذ عنه، وكلّ هذا من علم الغيب. فتأويل الكتاب يحتاج إلى علم لا على الظن وإطلاق المعاني، والمراد بالكشف لعلم الغيب عند أهل الكشف هو العلم الممكن أن يكاشفوا به مما هو بعيد فهمه وإدراكه عن أكثر أهل العقول السليمة، أي العلماء؛ لأنّ غير عقول العلماء لا حجّة بها في قلة الإدراك.
ومنه
[بيان]:
فإذا عرفت ذقت (2) ذلك، وذهبت عنك الشكوك، فاعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من
(1) للقوم حديث طويل عميق متشعب عن الغيب ورجاله، والشيخ ناصر الله يغرف من هذا المعين، ويفيضه هنا، وينظر عن الغيب موسوعة الحفني، ص 892، وما بعدها، وموسوعة العجم، ص 694، وما بعدها. (2) من الملاحظ أنّ الشيخ ناصر حمدلله يستخدم هذا المصطلح للمرة الأولى، ومن المعلوم أن للذوق عند القوم مكاناً عالياً، ويكفي أنهم يسمون العلم كله (علم الذوق) الذي لا يدرك إلا بالذوق، والذوق هو المبدأ فيه والمنتهى. ينظر عن الذوق موسوعة الحفني، ص 756، وما بعدها، وفيه: «ومن الاصطلاحات الصوفية المشهورة: مَنْ ذاق
622