إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٦٢٣العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغرّة بالله تعالى (1)، فلا عجب أن تكلم المقام المحمدي أني أخذت ظاهر العلم من حسّي، وباطنه من عقلي، وسرّه من روحي ومكنونه من سرّي، وكذلك من هو دونه من أهل الكشف على قدرهم، واعلم أنَّ من لم ينظر إلا إلى [133 و] ظواهر العلم، ولم يتحقق العلم من بواطنها فاته كثير من مشاهدة الحق في كلّ شيء، ومشاهدة الحكمة الإلهية، وكمالها في كلّ شيء، حتى في ظهور الهزل واللعب واللهو، وغير ذلك الصادرة من اتباع الهوى، فإن نظرها من حيث العلم الشرعي لا ينظر إلا باطنها ما كان باطناً، أو هزلاً ما كان هزلاً، وكفراً ما كان كفراً، وهو كذلك ظاهر أو حقيقة، والنظر إليها من طريق المكاشفة كذلك، ولكن يراها حكمة من الباري في كشف ذلك من أهله بتدبيره المحكم الجد الذي لا هزل فيه، ولا لعباً ولا عبثاً، فالهزل ممّن أتى به، والباطل ممّن أتى به، والكفر ممن أتى به هو في تدبير الله تعالى لإظهار ذلك منهم هو جدّ، وحكمة ربانية لو انكشفت لأدهشت العقول ويتجلى منها لأهل الكشف قدر ما تحتمله عقولهم، وكذلك ترى الحيوانات، واختلاف صورها، وظهورها على تلك الصور، وإبداعها على اختلاف أخلاقها، وكذلك النبات وأنواعه، والسحاب، وما يظهر ولا يسقي بل يتلاشى، وفي الظاهر أنه ظهر بلا نفع، وكذلك كثير من الأمور ممّا لا يحصى في صور الحصى والجبال على اختلافها وصعوبتها ولم يخلقها في رؤية العين مثل الجدر المحكم في بنائها، وكذلك الطيور، وكذلك جميع أخلاق العباد واختلاف صورهم، وأحوالهم، وهيئاتهم ورغباتهم، فإنّ أهل التحقيق وأهل الكشف ينظرون كمال الحكمة في كل شيء مشاهدةً لإقراره. واعلم أن للعقل ثلاثة وجوه في إدراكه المدركات: به الأول بالآلات المدركات الظاهرية، وهي الحواس الخمس بها تدرك المحسوسات والوجه الثاني: بالقوة الفكرية التي لا تخلو من حكم الطبيعة، وأثر هوائها لاستمدادها بالغذاء الطبيعي المعتدل. والوجه الثالث: إدراكه بالذات لوجود صفاته الأربع التي هي صفات ذاته، لأنه إذا لم يكن سميعاً،
عرف، يعني من يجعل الذوق وسيلة المعرفة كان من العارفين، والعلوم الذوقية هي العلوم الصوفية عن المعارف والأسرار»، وينظر موسوعة العجم، 372، وما بعدها. (1) ينظر إحياء علوم الدين، الغزالي، 20/ 1، وفي الهامش: رواه أبو عبد الرحمن السلمي في الأربعين له في التصوف من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف.
623