إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٦٢٨التي استعار لها البكاء، وكلّ هاتين الحالتين هما في كلّ شيء في حال واحد، فهي تضحك إعجاباً، أي سروراً، كأجذل أي كأفرح فارح، وتبكي انتحاباً بأمثل ثكلى حزينة، وعلى سلب نعمتها، ولو لم يسلب الله عنها نعمتها، وهي معرفتها به فهي تئن حزناً إن ماتت، وإن كانت بعدها في الوجود على فراق زهرتها بلسان حالها، وهي على فراق علمها بربها فهي تبدّت، أي تعدّد حزناً على فوات تلك النعم، وإن لم تفتها بعد، ولكن كذلك هي في هيئتها دائمة، فهذه القوى موجودة في حالة كلُّ كوّنه الله تعالى، ولذلك يظهر في مظاهر الإنسان، وكذلك قوله: تطرب، أي تفرح بلسان الحال إن غنّت، إن تكلمت، ونطقت عن كل نغمة بالغين المعجمة - على كلّ كلمة من كلامها، فنطقها في كلّ نغمة هو طرب، وفرح على ما أنعم الله عليها، أو على معرفتها خطاب الله لها، فيكون على كل نعمة استعارة، أي على كل خطاب [134 ظ] من الله، والله لم يزل متجلياً بخطابه على الكائنات بغير حرف، ولا صوت في جميع أمورها، وجميع ما تجلى فيها من الصفات والعلم، ولا تظهر هذه الصفات التي في الألوان إلاّ في بعض الحيوانات كالإنسان، فصار الإنسان مظهراً لأحوال الكائنات، فهو لسانه التي ينطق بما ينطق به، ومظهر سمعها وبصرها وكلامها،
جميع
وحزنها وفرحها وبكائها، وأنينها وندبها، وكذلك بعض الحيوان كما قال: 683 - ترى الطَّيْرَ في الأَعْصَانِ يُطْرِبُ سَجْعُها بتغريد ألحان لديك شجية 684 - وتَعْجَبُ من أصواتها بلغاتها وقد أَغْرَبَتْ عن أَلسن أعجميَّةِ يقول: ومن ذلك ترى الطير في الأغصان يطرب، سجعها، أي يطربك سجعها بتغريد ألحان لديك أي بقربك شجيّة: أي حزينة وتعجب أي وتستحسن من لذة أصواتها بلغاتها، وقد أعربت أي أفصحت عن ألسن أعجمية أي غير مفهومة، وكلّ ذلك ليس بهزل، وكلّها مظاهر لتجلي لطف الله على الوجود فرحاً به، وبمعرفة الله تعالى، وحزناً من فوات نعمه التي هي لطفه والعلم به وبتلاشيه بمحبة الوجود لله بالعلم به، والحزن على فراق هذه النعمة العظيمة ظهر الحزن والبكاء، والفرح والطرب في بعض الحيوانات، وفي الحقيقة إن ذلك مظاهر تجلي، الله وصفاته وعلمه، وفعله وتدبيره.
قال:
685 - وفي البر تسري العيش تخترق الفلا وفي البحر تجري السُّفْنُ في وَسْطِ لُجِّةِ
628