إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٦٣٢

فيخرج السماك، أي السمك الصياد منها بسرعة، ويحتال بالأشراك، أي بتشابك الخيوط، والحبال أيضاً ناصبها، وهو الصياد على وقوع خماص الطير، والخماص الجياع، خماص البطون من الطير لشدة الجوع، بحبّة: يجعلها في تلك الشباك فتقع فيها فتكون سبب موتها حبّة، وهي لقوة طيرانها تقدر أن تأتي من غير تلك الحبة حبوباً كثيرة؛ لأنها ربت وكبرت على غير تلك الحبة، فأذلها الطمع حتى هلكت بسببها، كذلك غيرهنّ من الإنس هو مثلهن. وترى يكسر سفن البحر ضاري، أي أسود دوابه، استعار اسم الأسود للقوة، أي إلى القوية منها، وتظفر آساد الشرى (1) بالفريسة في البرّ، فهو يذكر، تارة آيات البحر، وتارة آيات البرّ، ويصطاد بعض الطير القوي بعضاً من الهواء بقوته عليه، ويقبض بعض الوحش، أي الدواب المتوحشة، ولما ذكر فعل الناس بعضهم لبعض انتقل إلى ذكر الإنس والجن، وافتراق أحوالهم، ثم إلى فعل الإنس في الحيوانات، وإلى فعل الحيوانات بعضه في بعض، ويختم ذكر ذلك ما تذكر المدبّر الحكيم جلّ وعلا كما في الفلوات بعضاً منها بقفرة، أي بخطوة، أو قبضة قوية منها عليها، وتلمح منها، أي جميع الكائنات، [ما]: أي الذي تخطت أي جاوزت عن ذكر فعله، ولم أعتمد في تعداد ما ذكرته إلا على خير ملحة، أي إلا على قبضة ملحة أملح بها الطعام (2)، وليس المراد المقدار كذلك الذي ذكره مع الذي لم يذكره، فإنّه حكيم، ولا ينطق إلا بالحقيقة يعني بقدر التنبيه الذي يصح أن ينفتح لك به أبواب الفكر، والاعتبار إن كنت مستعداً لقبول ذلك، وإن كان عقلك غير مستعد لذلك فهو لا يخاطبه إلا من قبل الاستدعاء إلى الدخول في أوامر الله تعالى، وإلى ما يحبه منه، كما أنّ كلّ شيء في الوجود هو داع إلى ذلك المتعبدين جميعاً. وقوله: وفي الزمن الفرد اعتبر تَلْقَ كلّ ما يدلّك فيها، أي كلّما ظهر لك في هذه الأفعال التي في ظاهرها في التدبير الإلهي لغير فائدة، فهي في صورة الهزل، وكذلك تولية أهل الجور على الناس، وتسلطهم على المؤمنين، وما أشبه ذلك مما هو في عالم الأرض، وهذا كله مقدس (3) عن عالم السموات، فهناك كلّه في الظاهر من الأفعال جد، وفي العالم

409

(1) الشرى: موضع كثير الأسود، ويضرب به المثل للكثرة، ينظر معجم العين للخليل، ص (2) لعل ابن الفارض يريد (ملحة) بضم الميم، وهي الكلمة المليحة كما في العين، ص 791، أو ما يستعذب به من الكلام، وردّ الشيخ ناصر الكلمة إلى معناها الحقيقي المتعلق بالملح المعروف.

(3) مقدس: يريد بها الشيخ ناصر هنا منزّه، أي غير موجود.

632