إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٦٤٣شيء لم يكوّنه الله، ولا يشتهي زوال شيء كوّنه الله تعالى فإن قلت: إنّ المعاصي من كون الله هو خالقها، قلنا: نعم، ولكنّها من فعل العباد والله يكرهها، وهذا صار يكره كل ما يكرهه الله، ويحبّ كل ما يحبّه الله ليس له شهوة في شيء إلا ما يحبّه الله تعالى، فهو أشدّ الناس عداوة لأعدائه ولمعاصيه، وأشدّ الناس محبة لأولياء الله، ولطاعته، فافهم. فذلك معنى قوله بحيث بدت أي ظهرت النفس، أي الذات لي، أي إليّ من غير حجبة، أي من غير سترة، كما رفع المشعبذ ستاره حذو النعل بالنعل في المثل، فمثل مظاهره وذاته بالصور والمشعبذ في المرتبة الأولى، ومثل بأفعال ذاته بقدرة الله بذات المشعبذ ومظاهر ذاته، فافهم.
قوله: وقد طلعت شمس الشهود بمشاهدتي لعالم الغيب، وعالم الشهود فأشرق الوجود، وحلّت، أي زالت بي أي بشهودي العالمين عقود أخيتي، أي تقييدي، وأراد تقييد شهودي بالحجب عن الانطلاق بنظر النفس إلى مجال عالم أنوارها العلمي حتى تخترق الأرض والسموات، والعرش، واللوح والقلم، والعوالم كلها، وتصل إلى عالم التجلي، وتلتقي بجهة الروح، ونظرها مع أنّ الروح كذلك تنظر إلى هذه العوالم مثلها؛ لأنها تنظر إلى العالمين جميعاً، وإن خصصناها في غالب الذكر بعالم الغيب، وليس كلامنا ذلك ممّا ينفي نظرها إلى عالم الشهادة، فافهم.
والأخيّة حبل فيه عروة يدفن في الأرض ليربط فيه رباط الدابة فافهم. وقوله: قتلت غلام النفس: أي صفاتها المذمومة، وتقاعدها بالنظر إلى ظواهر المحسوسات التي هي في الظاهر أنّ النظر إليها حسن، ولكن ليس مع خرقها ليبدلهما، أي النفس، والروح ربّهما خيراً منه زكاة، وهو الحبّ، والرضى، والقرب بين إقامتي الجدار، وهي القيام بالأوامر الشرعية، والحقيقية، والمندوب فيهما، والمستحب، وترك ما لزم أو ندب فيهما، وقوله: لإحكامي، أي لإتقاني كمال أدائها، واستعار لها اسم الجدار من قصة موسى لظهوره في العيون، ليستخرج يتيمي (2) النفس والروح كنز الإخلاص من ذلك الجدار
(1) العليا
(1) قال تعالى: {فَأَنطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَنَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَ فَأَقَامَهُ، الكهف، الآية 77.
(2) ينظر إلى قوله تعالى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِعُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ، كَنرٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِهَا كَنَزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ، الكهف، الآية 82.
643