إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٦٥٥في الحقيقة غير هزل، بل كلّها حكمة فإن ناح بالأيك والأيك الشجر الملتفّ، وقيل اسم غيضة بها شجر، والغيضة الغور الكثير الرطوبة من الماء، واحدها أيكة، والهزار بالراء المعجمة أولاً وبالمهملة آخره - وهو نوع من البلابل له صوت شجي أي حزين وهو معرَّب (1) لم يستعمل في فصيح كلام العرب إلا البلبل، والدوحة الشجرة العظيمة، يقول: فإن ناح بالأيك الهزار، وغرّدت جواباً له الأطيار في كل شجرة عظيمة الأغصان بأصواتها المعجبة المطربة [141 ظ]، والرياح تلعب بأغصانها فتزيد ذلك السامع طرباً. وأطرب - بفتح الباء - فعل ماضي، وتقديره مطرب مكبّ على فساده بالمزمار. مصلحه، أي الذي عمله، وعند نفسه أنه في صنعة أحكمه لتخرج أصواته على مناسبة الأوتار، أي الخيوط، وأراد هنا نوعاً (2) من الملاهي المعمول بالخيوط، لا الزمر المعروف، ثم يريد به أيضاً إشارة إلى جميع الملاهي ذوات الأصوات الحسنة من زمر، وغيره من ذكر الجزء بإرادة الكل (3) وقوله: من يد قينة، أي تبرز تلك الأصوات عنه من فعل يد مغنية، وغنت مع ضربها له فأتت من الأشعار ما رقّ ولطف، ويزيد في الهوى والطرب، فارتقت مشاهدتي لذلك لسدرتها، أي إلى سدرة منتهى العلم الأزلي في حكمة إظهار الوجود وما فيه. قوله: في كل شذرة – بالشين المعجمة، وبالدال المعجمة وهي شذرة الصائغ، الذهب والفضة، حبة صغيرة منهما، وأراد بذلك من قليل وكثير، ووجدت كل ذلك عن حكمة من الله تعالى، وكمال تدبيره لإظهار كلّ ما أراد إظهاره، فسلّط المحبة على الأطيار إلى سماع ألحانها فألحنت، وسلّط المحبة في قلوب عباده ليعبدوه بها، وتعبّدهم بعبادته التي هي واجبة عليهم وأحكم الحكمة بالتدبير في كشف ما هو عن اختيارهم لا عن جبر منه، ويسر لكل منهما الأمرين: الطاعة والمعصية، وأقدر كلاً منهما على هذا وهذا بعد ما تعبّدهما بما هو واجب عليه له، وأظهر جمال التدبير في المظاهر، فمنهم من أحبّ صاحب الجمال الظاهر جماله، ولم يلتفت إلى المظاهر الفتنية وعصى بها الله تعالى فآثرها عليه تعالى الله فظهر ما أراد كشفه فأطاعه الطائع باختياره، وعصاه العاصي
(1) الهزار: هو الفارسية، د. محمد التونجي، ص 157. (2) في الأصل و [س]: [نوع]، وما أثبتناه الصواب.
كما ذكر الشيخ ناصر الله معرب (هزار دستان)، وهو بلبل أخضر اللون، ينظر
معجم
المعربات
(3) هذا نوع من المجاز المفرد المرسل، وهو فنّ بلاغي ذكرته المصادر، ومنه قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ [النساء: 92]، أي تحرير عبد مؤمن ينظر معجم ا المصطلحات البلاغية، د. أحمد مطلوب، 3/ 207.
655