إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٦٦٥

بيان:

فتكلم الكمال في حضرة أحدية الجمع منبئاً عن قول الله تعالى فيها بلسان حال الكمال، فقال: وقد أقمت الحجة في لزوم عبادتي، وأوضحت طرقها، وناديت المتعبدين جميعاً وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (1). وقال تعالى: ﴿نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (2)، حكمة لكشف ما في كلّ متعبّد من ضمير خيراً وشراً، ولم يخطر عليه ضمير، ولكن يرسل الخواطر عليه التي يعلم أنّه بها يظهر أمره واختياره الطاعة أم المعصية، فظهر بذلك ما تختاره نفسه، ولا زاغت الأبصار عمّا علم الله أنه سيكون منهم في كلّ أمة، ولا زاغت الأفكار في كلّ ملّة عما أريد أن ينكشف منهم في اختيارهم فلم يحبّوا إلا ما علمت أنهم ليحبّوه من طاعة أو معصية، حكمة بالغة بمقدار، وما اختار رمزاً للشمس عن غرّة، أي عن جهالة صبا، أي مال حباً لعبادتها فإنّما هو لحكمة أحبها لتجلّي كمال تدبيري وحسن حكمتي، وإشراقها من أنوار إسفار غرَّتي: أي تجلي وجه بدر كمالي وحسنه، ووضع المحبة التي خلقتها وركبتها فيه، فهي تحبّ الكمال والحسن، ولكن ما كانت في قلبي محجوبة عني ضلت الكمال فطلبته من المظاهر الحجبية، ولم تطلبه ممّن احتجب عنه فكانت هذه الحكمة هي الحكمة في كشف ما علمت أنّهم ليعصوني به واهتدى بنور الكمال ومحبة الكمال أهل طاعتي، وليست هي جبلة، بل هي حكمة سابقة، ولا مخادعة، وهي التي بها اهتدى من علمت أنه ليهتدي، فالأنوار الظاهرة ظلمة في حق المحجوبين عن رؤيتي، وهي والظلمة نور عظيم مع الناظرين إليّ، وكذلك ترى أن عبد النار المجوس، وما انطفت كما جاء في الأخبار أنّهم أوقدوها في بيت ألف حجّة، أي ألف سنة يعبدونها، ويمدونها بالحطب، ويأخذون منها لمواضع عبادتهم، وما قصدوا في عبادتها غيري إن أظهروا أنّ قصدهم لي، وإن لم يظهروا لعقدِ نيّة فإنّي أنا المقصود من حيث لا يشعرون، وكذلك إن كان قصدهم سواي؛ لأني أنا الذي أكملت بحسن تدبيري وإحكام حكمتي في تحسين صورة النار، ورآهم نور كمال الحكمة مرة، أي بغير تفكر، فتوهموه: أي الذي عبدوه، ناراً فضلوا في الهدى بالأشعة؛ لأنّ أنوار النار هي الحقيقة نور هداية للمهتدين، وذلك من تجلي كمالي فيها، وكمال حكمتي، فأعينهم رأت النار، ومحبتهم رأت الحسن والكمال، فهي في الحقيقة طالبة كمالي، ولم

(1) الذاريات، الآية 56. (2) الأعراف، الآية 163.

665