إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٦٦٩وانقطع عذره من كافة عباده بأدائه خالصاً إليه ولوجهه ذي الجلال والإكرام، وقد علم من يطيعه ومن يعصيه فالخطاب للجميع، وإن لم تكن أفعال أهل المعصية بالسديدة في علمه بهم فلا عبث في خطابهم، ولا ظلم في إيجادهم، بل كله عدل، وخلاف ذلك هو غير العدل وغير الكمال؛ لأنه لم يرد أن يثيب إلا على علمهم بأنفسهم، ولا أن يعذبهم إلا بعلمهم بأنفسهم، وما اختاروه في أنفسهم، وعملوه بمظاهر ذاتهم بأمر ذاتهم، فذلك معنى قوله على سمة الأسماء تجري أمورهم وتقديره وتجري أحكامهم في ظاهر أمرهم على سمة الأسماء، أي على علامة من الأسماء الأربعة وهي: الأذن للسمع، والعين للبصر، واللسان للنطق وللأكل، واليد والرجل والفرج وجميع البدن التي هي آلة اللمس، ويكتفي عن ذكرهنّ بذكر اليد، وأجرت الحكمة الإلهية أن أعمال هذه الظواهر في وصفها على ما هي عليه للحكم الظاهر في حكم المرء من شرك، أو نفاق مستحلّ، أو منتهك لما يدين بتحريمه، وما يجري عليه من تحريم ترويج أو تحليل، أو أدب، أو قتل، أو براءة، أو ولاية، إلى غير ذلك، وأجرت الحكمة الإلهية في صنعة حكمة وصف الذات، أراد هنا وصف بمعنى هيئة أي هيئة الذات في صنعة الله تعالى لها هي للحكم الباطن الحقيقي وأن تلك الأفعال الظاهرة منها وما تكنّه من الاعتقاد اللازم أو الجائز، أو المحرّم، أو المكروه، زيادة فوق ما يظهره من الجوارح، فكله منها، فهي المخاطبة، وهي المعاقبة، فإن أطاعت فهي الطائعة، وإن عصت فهي العاصية وهي القوة الغريزية، فهي الملك القاهر الغالب، ووزيرها القوة المدبرة، وأما البصيرية فهي القوة الآمرة له بالخير، وإن خالفها فهي تذهب منه في الآخرة ولا تبقى معه، وهي كالمرآة، وحقيقة الداعي فيها إلى الله
لا
هو تجلّي نور محبة الله تعالى، ونور علمه الذي يحبّه، ولا يتجلى فيها غير ذلك، فهي تغلط أبداً، وهي المقبلة على جهة عالم الغيب حيث لا خيال فيه، وهي الروح التي ذكرها الله تعالى: [ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي]، أي أمر رباني، ومعنى ذلك هو هذا المعنى، ومع نظرها إلى عالم العلم الغيبي، فهي تنظر إلى عالم الشهادة. وأما المدبرة والغريزية فهما النفس، وجهتهما عالم الحس والخيالات والمثالات وعالم المعاني يصيبان تارة ويخطئان أخرى، فلا يصيب المرء الحق كله من دين الله إلا باتباع الرسل والأنبياء الموحى عليهم من الله، والخارقة نفوسهم عوالم الحس والخيالات، والمثالات إلى عالم الغيب، وهو عالم العلم وعالم تجلي الروح عليه فأرواحهم العقلية، ونفوسهم
669