إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٦٧٠الفعلية يلتقيان إلى رؤية عالم واحد، وهو عالم العلم، فلذلك لا يغلطون، ولذلك لا يغلط المتمسك بدينهم فى الدين، ولذلك لا يسلم غيرهم من لم يتمسك بدينهم، وحمل دينه على القياس فيما لا مجال لنفوسهم إلى نظرة، ولم تنظره أرواحهم من [145 ظ] الغلط، وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمَشَاجِ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (1)، لم يرد به السمع والبصر الظاهر فقط دون سمع الذات وبصرها، بل أرادهما جميعاً، ثم قال: إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (2) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَلَسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ (3)، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ (4) يصرفهم المولى جلّ وعلا من أول الإيجاد إلى يوم القيامة من درجة إلى درجة، ومن حال إلى حال، وهم في علمه في القبضتين قبل أن يخلقوا وبعد ما خُلقوا، وقوله: ولا، ولا، أي وهما أي القبضتان لا ولا، فالواو الأولى بمعنى وهما وواو، وقبضة تأويل لقوله: ولا ولا، أي وهما، أيضاً قبضة تنعيم وقبضة شقوة، أي قبضة للجنة وقبضة للنار، وأشار بقوله: لا ولا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حاكياً عن ربه أنه قال جل وعلا: [يا عبادي اعملوا فإنّي جامعكم في صعيد واحد ثم أنظر إلى أهل طاعتي وأقبضهم قبضة وأدخلهم جنتي ولا أبالي، وأنظر إلى من عصاني وأقبضهم قبضة قبضة وألقيهم في جهنم و لا أبالي]، ومعنى قوله: ولا أبالي بترك غيرهم في قبضتي لهم، فافهم ذلك.
قال:
745 - ألا هكذا فَلْتَعرفِ النَّفْسُ أو فلا ويتلى بها العرفان كل صبيحة 746 - وعرفانها من نفسها وهي التي على الحِس مَا أَمَّلْتُ مِنْيَ أَمْلَتِ يقول: ألا: أي ألا أيها الطالب المريد إلى هذا السلوك من شاء معرفته، ومعرفة النفس ربها، ومعرفتها نفسها فلتعرف هكذا جميع ما أوضحته في خطابي لكم وشرحته في معرفة الله بحقيقة العلم به في كلّ شيء، ومعرفة ما يلزمه العمل له، وما يستحب في عبادته، وما يجب عليه تركه، وهو مستحب له تركه، ومعرفة المرء بنفسه في عبوديتها له وعجزها، وعظم كرامته له في جميع خلقته، وبتكوين جميع الموجدات فإنّه لا يعرف عظم النعم إلا من كوشف بها، ويسلك طرق الوسائل إليه بخالص المحبة، فهذه هي
(1) و (2) و (3) و (4) الإنسان: 2 - 5.
670