إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٦٧٧أي حجب
وقوله على النادي، وهو المجلس واستعاره لمقام الكمال وملازمة مقامه فيه. يقول: وفي ظنّي مشاهدة ذلك الكمال الإلهي، وهو تجلى علمه عليّ، خلعت: أي نزعت نعلي الكائنات كلّها حتى لم يبق بيني وبين مشاهدة الله تعالى بالصفات لا بالذات حجاب أبداً، ولا مثل مثقال ذرة حائلة بيني وبينه، أي شاغلة لي عنه، فإنّ الحجب هي الشواغل من مشاهدة الأغيار والاشتغال بها، وجُدْت بخلعتي: أي وسلكت إلى مشاهدته لأكمل ذاتي بذلك بخلعتي عن شواغل الأغيار إذ لا طريقة موصلة إلى هذه المراتب لمن شاءها إلا بخلعها، وكيف يشغلني، ويكون حجاباً لي بيني وبينه من هو تحت قدمي كالنعل، وأنا فوقه، ثم خلعتها من قدمي لئلا يكون شيء منّي هي متعلقة به، وهذا ما يدلّ على أنه فوق جميع الكائنات، وأنّها كلّها كالنعل أي كلّها دونه، لا أنها مثل نعله؛ لأنّ فضل الأنبياء والرسل والملائكة لا يصح أن يمثلوا كنعل النبي، وإنما استعار هنا النعل بعض معناها للدون لا للمثل، ولعدم الحاجب الشاغل له عن الله، فإن الملائكة كذلك ليس بينهم وبين الله حجاب مثل الناس قد شغلتهم رؤية المحسوسات عن رؤية الله تعالى بصفاته وقوة الحضور معه فكانت الأنوار في حقهم ظلمة، والظلمة ظلمة، فتساوت معهم الأنوار والظلمة والليل والنهار كله ظلمة، وأما المكاشفون بكمال الله تعالى الذين هم قد اخترقوا الأكوان بنور العلم بالله حتى انتهوا إلى حد لا ينظرون إلا نور العلم بالله تعالى، فيكون في حقهم الليل أنور من ضوء الشمس وليس النهار بأضواً من الليل، ولا الليل أضواً من النهار، بل كلّهما متساويان نوراً عظيماً، واعلم أن نور الله ليس هو أبيض مثل نور الشمس، وإنما النور استعارة للكمال؛ لأنّ النور أكمل من الظلمة كما استعار أصحاب اليمين لحزبه، وأصحاب الشمال لحزب الشيطان، ولا يوصف الله باليمين ولا بالشمال ولا بالنور، ولا يسمى النور، ولا يجوز أن يوصف به على المفهوم، وقوله تعالى: {الله نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، أي نور العلم به، وهو نور معرفته في السموات والأرض، وفي كل ذرّة من ذرات الوجود، فافهم ذلك.
قال:
677