إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٦٨٥في
وبتسكين الراء وضم التاء والسؤر هو الفضلة الباقية من الطعام بعد أكله، أو الشراب، يقول: ومن فضلة ما أبقيت من شرابي شرب معاصري الذين هم في عصري. منذ ظهرت بالدين الإلهي إلى يوم القيامة من أولياء الله تعالى، ومن كان قبلي، فالفضائل التي أفيضت عليهم فهي فضلتي، أي بقية طعامي الذي أكلته، واستعار الأكل والشرب الصارحين لأنّ بهما قوام الإنسان، ولولاهما لم يقم تركيب الإنسان، ولا ثبت عقل إنساني في جسم؛ لأنه لا يبقى حياً بغير الطعام والشراب، وفي ذلك إشارة إلى أنّ بقاء الحياة الطبيعية المستمدة من الطبيعة الكبرى، والممتزجة بالطبيعة الوسطى هي بين السماء، والأرض لا قوام لها الهيكل الإنساني إلاّ بهما، ولا قوام للروح والنفس العقليتين إلا بقوام الجسد، ولا قوام للمعرفة بغير عقل، ولا قوام للعلم بالله بغير معرفة به، وأن الروح كذلك لابد من سقيها من تجلي بحر العلم الإلهي، وأن النفس لابد من تغذيتها بالعلم والعمل [150 و] وكذلك الجسد لا قوام إلا بحرفه بأداء الطاعة لله تعالى، كما لا يحصل الطعام والشراب إلا بالعناء، وفي الشراب والطعام إشارة إلى منافع الماء، وتوليده من السحاب، وانفجاره من الأرض، وإلى إنبات النبات، وتوليد الحيوان والمعادن وتكوين السحاب بالحرارة، وبالأركان، وبالشمس، وبدوران الفلك ما يحرّك الفلك، وارتباط الأشياء بعضها ببعض في تكوين كلّ شيء، وأنه لو اختلّ شيء من ذلك لما خرجت في الكون حبّة بُرّ من زرعها، أو ما نبتت أصلاً، وفي ذلك من الارتباط من أول التكوين إلى آخر التكوين، وإلى يوم القيامة، وما في أمثال ذلك من أمثلة العلم والقرآن العظيم في نزول المطر، وثبوته في الأرض، وانفجاره كنزول العلم على أراضي القلوب وثبوته في قلوب المؤمنين، وانفجار العلوم منها بسبب ذلك، وما يذهب جُفاء كنزوله في قلوب غير الأولياء، وما يدلّ على كثرة العلوم، وتعدادها، وما في ذلك من الأمثال، وما لا يصلح للغذاء، وما يصلح للنمو، وما يفسد النمو، وما يصلح التوليد، وما لا يتولد، وما يستدل به كذلك على طريق السلوك إلى العلم بالله، ووجوب العبادة له، وأنه لا يصلح الإخلاص بدينه الحق، وسلوك بعد ذلك هذه المشاهدة، وأنها فانية تدعو الحق على الحثّ، وما يدلّ بسبب
المشاهدة
عليه من التسبيح إلى ما لا نهاية لذلك، ولو مليت لك شرح هذا البيت، ومعانيه، ومعاني معانيه (1) نازلاً لأفضى شرحه إلى ألف مجلّدة كاملة متصوفة، ولعلك إذا اعتبرت تفصيل
لله
(1) معنى المعنى هو المعاني الثواني، وهو أساس الإبداع، وقد فرّق عبد القاهر الجرجاني بينهما، فالمعنى هو
685