إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٧٦اعلم أنَّ المحبة الإلهية (1) على [معان] (2) أحدها محبة الموصوف بها ذاته، وهي إرادته
فإنّه لم يزل مريداً، وما أراد كونه فقد أوجب كونه، وما أراد عدمه فقد أراد عدمه، وكلّ شيء أراده فقد أحبّه، فالمحبة والإرادة هنا بمعنى واحد، وقد أراد كون الكافر ولا يحبّه وأراد كشف اختياره في الطاعة لله، أو المعصية، ولا يحبّ منه المعاصي ولم يكن إلا ما أحب وأراد؛ لأنه انكشف ما أراد منه أن يكشفه منه فافهم.
والمعنى الثاني من المحبّة الإلهية هو رضاه عن العبد بأعماله التي رضيها له أن يعبده بها فتكون المحبة والرضا معناهما متقاربان، ولكنّ المحبة فوق الرضا، إذ قد يرضى الله عن العبد بإكماله في الإخلاص له جلّ جلاله بدينه الحق، وقد أحبّه بذلك، والمقربون يحبّهم أكثر من بقية المؤمنين المخلصين بغير تلك المراتب فيكون الرضا أول درجات المحبة، والمحبة هي التقريب الرضائي، ودرجاته في هذه المحبة التي هي رضاه وتقريبه موصوف هو سبحانه وتعالى.
والمعنى الثالث من المحبة الإلهية النسبية هي محبة منسوبة إلى الله نسبة تولية محبة، ولم نقل تمليك؛ لأنه مالك كلّ محبة حتى المحبة الفاسدة إذ ليس شيء هو غير ملكه، وقولنا: تولية محبة، أي هي لعل في الكلام سقطاً، ولعلها أي هي تولية يحبها ويوليها من أراد أن يحبّه، ويقربه إليه، وهي نور عظيم يجليه على العين (3) البصيرية، ويقبض نورها على الغريزية، والمدبرة فتذعن عيون الحجر من المرائي عقله إلى محبة الله، وهي التي تطلب محبة الله لها، ورضاه عنها، وحبّ ما يحبّه، وحبّ ما يحبّه منها، وبها، وفيها، وحبّ ما يحبّ لها أن يحبّه لا غير، وهي الداعية إلى الله تعالى ولا تغلط العين البصيرية بها، فإن قلت: إنَّ كثيراً ممّن يحبّ الله تعالى، ويحبّ ما يحبّه له أن يحبه وهو ضال بتأويل لا يسعد، فنقول: ذلك بحبّ العين الغريزية، وحبّ العين المدبرة، ونور محبّة الله تعالى قد ذهب بسبب ضلاله، وبقي يحبّ بغير ذلك النور، فإن قلت: إنَّ العين الغريزية، والعين
(1) ينظر عن المحبة الإلهية ومعانيها موسوعة العجم، ص 838، وما بعدها، وموسوعة الحفني، (2) زيادة من س.
ص 940، وما بعدها.
(3) العين: إشارة إلى ذات الشيء الذي تبدو منه الأشياء، وهناك قوم علموا مصادر الكلام من أين، فوقعوا على العين، فأغناهم عن البحث والطلب أي إن مقصودهم كان الله تعالى وليس سواه، وينظر عن أنواع العيون موسوعة العجم، ص 684، وما بعدها، وموسوعة الحفني، ص 886 - 887.
76