إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٧٨المثالات في الحب تعظيماً لهما، وإظهاراً لجلالة شأنهما ما بلغ الحد لمستحق أن يبالغ في القول فيهما، وأما بصفة أنه رآها في النوم، وأنه واقعها في طريق الحج، وهام بها فهي المحبة الإلهية الإضافية التي تبلغه المحبة الإلهية الرضائية إذ هي المقصودة بهذه، ولكن تلك تشاهدها الأنبياء، والرسل والملائكة ومَنْ أخبره الله أنه من أوليائه، وأما لغيرهم فلا تتجلّى، ولذلك هاموا فيها خوفاً أن لا يذكرها مَنْ خفيت عليه، وهام فيها مَنْ شاهدها لجمالها فافهم، فإنّهما يشتركان في الاسم والمقصود؛ لأنهما لا يحصلان إلا معاً، وأيضاً يشير بالمواصلة إلى مشاهدة الحضرات الإلهية وهي المعرفة بالله، ومشاهدة صفاته، ولكن أراد هنا بقوة الحضور وملازمة الشهود فافهم ذلك.
وبالجملة إنَّ بيته هذا هو كالجملة لما سيذكره في جميع النظم من المعاني، ويمكن أن تخرج معاني نظمه من جميع معاني هذا البيت، ولعلّه يأتي على جميع هذا العلم بالتأويل، وتأويل التأويل كذلك نازلاً، وليس كلمة «لعلّ» شك فافهم ذلك.
قال:
مني
2 - سَرَتْ فأسرت للفؤاد غُدَيَّةٌ أحاديث جيران العُذيب فَسَرَّتِ
يقول:
6
سرت، أي ريح، والشرى المشي في الليل، واستعار ذلك إما لِليْل سنة غفلته، وإمّا لليل رقدة جهالته فيتوب إلى الله تعالى هذا لأهل الظواهر، وإما هو استعاره لنفحات محبة الله تعالى للمرادين قبل أن يعرفوا أنهم مرادون، أو قبل أن يولدوا، ويظهروا في عالم الشهادة، وتُستعمل كلمة السرى» لكلّ شيء يأتي في ليل أو نهار إلا الحيوانات فلا يطلق عليها الشرى بأرجلها إلا إذا كان ليلاً. وأما إذا كان سرواً معنوياً فالليل والنهار فيه سرى، وتقديره سرت غُدية، أي طيبة هواؤها، وهو الجوّ وأرضها، وأراد بذلك طيبة كذلك في رياض القلب وهوائه واستعار اسم الهوا إشارة إلى الهوى الحبّي، واعتداله، وطيبه، فأسرت بكلامها العذب الحلو السّري غير الجهري الداعي إلى السلوك إلى حضرات الله، وحضرات القرب، والكمال بالاستقامة في كلّ شيء بطريق الإلهام أحاديثَ جيران العذيب، والعذيب والعذيبة ماء ان معروفان، واكتفى بذكر أحدهما دون الآخر، وأشار بهما إلى ماء مكة، وماء المدينة، وأراد بذكر مائهما المورد، والماء هو واحد في النوع،
78