إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٧٩

ولذلك اكتفى باسم أحدهما دون الآخر، وأراد بذلك النبي، أو هو والقرآن، أو هو وما جاء به بإشارته إلى المدينة وبيت الله الحرام بإشارته إلى ماء مكة وجيرانهما، وتذكّره لجيرانهما بذكره بيت الله الحرام في مكة، والنبي وما جاء به بتذكره جيران أهل المدينة، وأحاديثهما ودلالتهما إلى الله تعالى ودلالتهما على محبة الله تعالى لنبيه، ولما جاء به من كتاب وسنة، وشريعة وحقيقة، وطريقة، ومكاشفة للحضرات الكمالية الإلهية. ويصح أن تكون المحبة سرت لهؤلاء وهم النبي الله وأصحابه، وأن تكون سرت لمن هو قبلهم عن فيض بَحْرٍ مَنْ يكون بَحْرُ كماله في هذه المواطن، ولم يأتِ بعدهم، فكلامه هنا مطلق عمومي قوله: «فأسرت» فأولته سروراً وفرحاً وطيباً.

3

قال:

مُهَيْنَمَةٌ بالروض لدن رداؤها بها مرض من شأنه بُزء علّتي مهينمة» والهينمة صوت الريح في الأشياء، أي ريح الصبا ناطقة بصوتها بالرياض الحسنة الأشجار، فكأنّه مثل الأشجار كاللسان لها، وإنَّ أصل ذلك الكلام والصوت منها هي، وإنّما لسانها الشجرية أو ما أشبه ذلك بها يتكلم، وفي ذلك إشارة إلى صفة ذات الإنسان العقلية أنها هي الفاعلة باللسان، وبالأذن، وبالعين، وباليد، وهي حقيقة كالريح لا تُرى وإنّما تظهر آثارها، وأفعالها، وأصواتها.

والوجه الثاني الباطني يشير بريح الصَّبا التي هي أفضل الرياح من الله تعالى إلى أرج نفحات محبة الله تعالى لعبيده المنبهة والداعية له إلى السلوك إلى مقامات قربه وحضراته، وحضرات كمالاته، وحضرات كراماته ورضوانه، وحبّه، ومخاطبتها لأشجار القلب المشرقة من العين البصرية الداعية للعين الغريزية، والعين المدبّرة من العقل إلى اختراق المحسوسات بحواسهما إلى المشاهدة للكمال الإلهي الذي تراه هذه العين البصرية من تجلي علم الله عليها من غير جهة المحسوسات؛ لأنَّ العقل له هذه العيون الثلاثة، وكل عين منها إلى جهة يستجلب العلم من جهتها.

وقوله: لدن ردائها، فالرداء ثوب معروف تتوشّح به المرأة فوق درعها، ولدونته من كثرة تعطّره بلدونة الندودات والعطورات، والروائح الحسنة حتى أثقلها حمله في التوشّح به، وما تهديه هذه الريح من تذكارها للسلوك إلى حضرات ملك الملوك، مع أنَّ محبة الله

79