إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٨١

الخفية الإلهية، أو للمحبة العظمى الإلهية التي هي أعظم محبة منه للموجدات لها بمواضع الحجاز صيد عظيم صادت أولاً رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الإيجاد حين أوجد الله أولاً نوره فأكمل له أعظم المحبة، وجعله هو بحرها، وما يفيض على غيره إلا من فيض بحره، وفي علمه أنَّ محلّ بحرها الأعظم يكون في الحرمين في العلم الأزلي، وما كان في العلم الأزلي فهو كذلك ثابت، فثبت أنَّ أصل بحر المحبة الإلهية التي يكرم بها خلقه هو في الحرمين، وكلّ مَنْ أفيض عليه منها شيء قبل النبي أو بعده، ومَنْ كان عنده فهو من فيض هذا البحر الحرمي، فمن أهدت إليه بتذكار ريح، أو بنفحة منها فإنَّما هو صيد من

فيض البحر الحرمي.

وقوله: به لا بخمر دون صحبي سكرتي خصّ وعمّم، وخص بتخصيصه الأول للمجذوبين (1) بها المرادين كالأنبياء والرسل، والملائكة، والأولياء أهل الجذبة، والصحب هم المريدون الطالبون، وفي الحقيقة إنَّ محبة الله سابقة لكلّ محبّ لله وليّ، ولكن المقربون لهم السبق فخص المقربين كلّهم، وعمّهم جميعاً، وخص النبي، وأنه هو الذي سكر (2) بكمالها في أول الوجود، وفي حين الظهور، وإن فاض على غيره فليس هو فيضان نقصان كالبحر، بل مثل فيضان ضوء الشمس في الوجود كلّما اتسع فيضانها دلّ على شرف ضوئها، وإمكان اتساعه، فَصِيد صلى الله عليه بالمحبة الكاملة قبل أن يصيد، واريد به قبل أن يريد، وجُذب قبل السلوك فطوى السلوك في لمحة مجذوب عن الأغيار بمشاهدة الملك الجبار لكن بالصفات لا بالذات (3).

قال:

5 - تُذكّرني العهد القديم لأنها

حديثة عهد من أُهيل مودتي

(1) الجذب: هو أن يجذب الله تعالى عبده إلى حضرته والمجذوب هو مَنْ ارتضاه الحق لنفسه، واصطفاه لحضرة أنسه، وطهره بماء قدسه فحاز من المنح والمواهب ما فاز به بجميع المقامات والمراتب بلا كلفة المكاسب، والمتاعب، ينظر موسوعة الحفني، ص 703 - 704. (2) السُّكْر: دَهَش يلحق سر المحب عند مشاهدة جمال المحبوب فجأة فيذهل الحسّ، ويلم بالباطن فرح وانبساط، ينظر موسوعة الحفني، ص 795، وينظر كذلك شعر عمر بن الفارض - دراسة في فن الشعر الصوفي، د. عاطف جودة نصر، ص 136، وما بعدها، ففيه حديث مفصل عن [السكر] ورمزيته عند ابن الفارض. (3) يلح الشيخ هنا، وفي مواضع أخرى على أنَّ الرؤية هنا (بالصفات) لا (بالذات) انسجاماً مع قناعته التي بينها في مفتتح الكتاب.

81