إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٩٤وقوله: عاشقاً ومعشوقته، وفي حبّ الله لا يصح الوصف فيه بالعشق (1)؛ لأن العشق إنما يطلق على حبّ المحسوسات، أو المخيلات إذا قوي كثيراً، فأما في الله، وملائكته،
ورسله، وأوليائه والأعمال الإيمانية وما أشبه ذلك فلا يطلق على الحبّ فيهم عشقاً.
فإن قلت: أفلا يقال لمن طلب بقوّة المحبة علم الشريعة والحقيقة إنَّه عاشق لذلك؟ فنقول: نعم، على معنى التوسع بمجاز اللغة، وأما في الحقيقة فلا يسمى عاشقاً، ولكن الشيخ لم يرد بالعشق هنا إلا بعض معناه فيكون قد استعار لفظه إلى قوة المحبة، وصفائها
كما يستعار اسم الأسد للشجاع، والسراج لنور الإيمان ونور العلم ونور المحبة. واعلم أنَّ المحبة التي يحبّ المرء بها محبة الله تعالى له هي هي لا غيرها فهي تُحَبّ هي، وهي تُطلب هي، وهي تحبّ معرفة الله تعالى، والعِلم به، وهي المعبر عنها بالحضرة الإلهية، أي معرفة الله تعالى لا غيره، ولا لوم على شفقة حبّها، ومتى اتصفت بها النفس طلبت الزيادة أيضاً من المعرفة إذا صحبتها قوة المحبة الإلهية، وطلبت الإخلاص لله تعالى بالأعمال الإيمانية وأحبّت الاجتهاد في تعليمها وإنّما هي تطلب الزيادة فتكون هي والزيادة هي إلى ما شاء الله تعالى، ولذلك صارت محبة المرء التي من محبة الله أشدّ كل محبة حبّاً لمحبة الله لها فافهم.
قال:
22 - هي البدر أوصافاً وذاتي سماؤها سَمَتْ بي إليها همَةٌ أَي هِمْةِ (2) يقول: هي البدر جاءت أوصافاً، أي تمثيلاً، وأراد محبّة الله تعالى الكاشفة معرفته الداعية إلى طاعته.
وذاتي سماؤه، أي أسماء له قد سَمَتْ بي إليها همة في طلبها، أي عَلَتْ بي همة، أي همة عالية؛ لأنَّ محبة الله تعالى لا تتجلّى على المرء إلا إذا طلبها، وأخلص الأعمال
(1) هذا تأويل من الشيخ يدلّ على رسوخ قدم في علم الحقيقة، جاء في موسوعة الحفني، ص 872: «العشق في جانب الله جائز ولكنه لا يصدر من الله، فالإنسان له أن يعشق الله، ولا ينطبق هذا الاصطلاح عليه سبحانه، فالعشق لا يتحقق إلا بالإدراك، وذات الله لا تُدرك، والمحبة قد تحدث بالسماع، وإنما العشق لا يحدث إلاّ بالمشاهدة، وعلى ذلك لا ينطبق على الله. (2) في الديوان: [همتي حين همّتِ] بدل [همة أي همة].
94