إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٩٧غالب كلامهم في هذا العلم بالإشارة والرموز (1) قريباً من مذهب أهل الصنعة الفلسفية في رموزهم، وأراد باليد القدرة؛ لأنها هي الأصل الأكبر التي إذا عدمت عدم بعدمها جميع أصول الصفات الإدراكية (2).
وقوله: توسد استعارة في المحبة؛ لأنَّ غالب التوسد من المرء بذراعه لا يكون إلا الخلّة لخِلّته بكسر الخاء التي هي خليلته إذا كان شديد الألفة بها، فكذلك هو قد أعطاها زمام كل عضو منه بإذعان كامل فافهم.
قال:
24 - فما الوَدْقُ إلا من تحلب أدمعي وما البرق إلا من تلهب زفرتي 25 - وكنت أُرى أَنَّ التَّعشق منحة لقلبي فما إن كان إلا لمحنتي 26 - منعمة أحشاي كانت قبيل ما دعتها لتشقى بالغرام فلبت 27 - فلا عاد لي ذاك النعيم ولا أرى من العيش إلا أن أعيش بشقوتي يقول: قد تمكنت مني المحبة، واستولت عليّ بحبّ المحبة الإلهية إلى الكاشفة في معرفته وإلى ترقي مقاماتها القريبة، وأحضرت المشاهدات بالصفات لا بالذات على سبيل الاستقامة والكمال في كل شيء حتى بلغت عبرتي بكثرة التضرع والابتهال وانسكاب الدموع وتلهب نار الاشتياق أي محبة الله ومحبة رضاه ما بلغ، فصرت أقول لعظم ذلك مني ما الودق وهو المطر إلا من تحلب أدمعي المنسكب من سحاب عبرتي، وما البرق المضيء بالسحاب إلا من تلهب زفرتي المضيء من سحاب قوة شوقي واشتياقي، وكنت
(1) هذا تنبيه ضروري من الشيخ وقفنا عنده في المقدمة، لئلا يؤخذ الكلام على ظاهره فيؤدي إلى غير المقصود
به.
(2) يقول العلامة السالمي: «اليد الواردة في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10]، وفي قوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَى) [ص:75]، ونحوها من الآيات هي بمعنى القدرة، لا بمعنى الجارحة، فإنها وإن كانت هي حقيقة اليد فحمل الآيات عليها محال لما يلزم من تشبيه الله تعالى بخلقه، وقد عرفت بطلانه»، مشارق الأنوار، = ص 212، عن الإمام نور الدين السالمي وآراؤه في الإلهيات د. مبارك الهاشمي، ص 191، وينقل د. الهاشمي تعليقاً لسماحة المفتي الشيخ أحمد الخليلي مفاده أنَّ «إنكار المجاز رأساً، أو إنكاره من كلام الله، وكلام رسوله ليس هو إلا مكابرة صريحة للعقل، وتحدياً سافراً للواقع»، ينظر ص 188، وقد أردنا تبيان رأي الشيخ ناصر في هذا الأمر لا نقف عنده مرة أخرى إذ ستتكرّر الإشارة إليه فيما بعد.
كي
97