إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ٩٨

أرى في نفسي أنّ التعشق للمحبوب منحة، والمنحة هي العطية ولكن هنا أراد بعض معناها، أي لذة لقلبي وراحة لنفسي، فما إن كان لمحنتي بكثرة الشوق والوله والبلاء وتكلّف المشاق.

وأراد التنبيه على ذلك أن صحة المحبَّة لابد من تكلف المشاق وتحمل بلائها، على أي وجه جرى حكمها عليه؛ ولا بدَّ هي من أن تبليه بشدة، البلاء، ثم قال: وكانت أحشاي منعمة قبل ما دعتها المحبة إليها لتشفى بالفاء بالغرام فلبت دعوتها وأجابتها مسرعة. وقوله: لتشقى بالقاف وبالفاء- أي منعمة بالتسلي عن طلب المحبة وما تطلبه المحبة لقول النبي: حُفَّت الجنة بالمكاره وحفَّت النار بالشهوات) (1)، وأراد لتشقى، وأصل الشقوة الهلاك بالمعصية، ولكن هنا أراد بعض معناه وهو النَّصب والتعب والبلاء، واستعار لذلك الشقا مبالغة واستعارة؛ لأنه متكلم بالرمز والإشارات المتوسطة لإفهام أهل الفهم من أهل العلم.

قوله: فلا عادني ذاك النعيم أي الراحة، وفي الظاهر يتكلم بصيغة الخبر، وفي الباطن يدعو عليه بالذهاب أصلاً، ولا أرى إن شاء الله فيما أرجو منه من العيش، أي من بقية الحياة التي هي عمره إلا أن أعيش، أي أبقى مدة العمر لشقوتي، أي إلى شقوتي هذه، أي يعني وإرادتي لا أرجو أن يمن عليّ الله تعالى أن لا يحييني ما بقي من عمر إلا إلى حياة

فيها تعب طلب، محبته وقرباته ومرضاته، وحضراته.

قال:

28 - ألا في سبيل الحبّ حالي وما عسى بكم أن ألاقي لو دَرَيْتم أحبتي يقول مخاطباً أحبته ألا في سبيل، أي طريق الحبّ، حالي: أي قصدي في سلوكي إليكم بقوة عزيمة، وما أقول فيه عسى أن لا أبلغ وصالاً ولا أملك نفسي أن ألاقي بلاء، وهلاكاً، وشدة، ومحنة، فكل ذلك تركت ذكره حباً إليكم ورغبة في وصالكم لو دريتم بي

229

(1) هذا جزء من حديث قدسي، ينظر الأحاديث القدسية، إعداد وتدقيق جمال محمد علي الشقيري، ص 29 أخرجه الترمذي، وينظر جامع الأحاديث، للسيوطي، الحديث رقم (1180)، 3/ 750 عن السير والسلوك، ص 82، وفيه التخريج. وقوله عزّ وجلّ حفَّت بالمكاره) أي لا يصل أحد إلى الجنة إلا إذا تجرّع وتقبل التكاليف الشاقة

على النفوس.

98