لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ١١٧الصحوة الإسلامية
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18]، وفي قوله سبحانه: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوْلَيْكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَهُوَ الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 8، 9].
وإنني لحريصٌ جداً على دخولي في الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَالإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَنِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10].
وإنني أعتقد أن أحداً لو أنفق مثل أُحدٍ ذهباً لما ساوى مدّ أحدهم أو نصيفه (رواه البخاري ومسلم) كما أخبر بذلك رسول الله، وإنني لحريص جداً على طي صفحة الفتنة التي كانت بينهم، ولم أكن أريد أن يتحدّث لساني أو أن يكتب قلمي شيئاً عن تلك الفتن عملاً بقوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [البقرة: 134]، وهذا المبدأ هو الذي أعْلَنَهُ الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز لله إذ قال: «تلك دماء طهر الله منها أسنتنا، أفلا نُطَهِّرُ منها ألسنتنا؟!» وهو نفسه الذي قاله الإمام نور الدين السالمي: فما مضى قَبْلَكَ لو بساعة
فدعه ليس البحث عنه طاعة
وإذا كنتُ أكره شيئاً من التأريخ، فإني أكره ذلك التأريخ تأريخ الفتنة العمياء التي نجمت بين أصحاب رسول الله، وأدت إلى تفرّق هذه الأُمة إلى أشلاء ممزقة، حتى طمع فيها عدوّها، ولو كان بالإمكان محو هذه الدمغات السوداء من صحائف التأريخ ومن أذهان الناس لَفَعَلْتُ، لِتَعُودَ الوحدة بين الأُمة، ولكن أنَّى لي أن أعمل ذلك، فالقدر قد كتب ما كتب والله لا راد لِحُكْمه، ولا معقب لأمره، وكل ما يحدث في هذا الوجود إنما هو
بقضاء وقدر منه
ولست هنا بصدد الحكم فيما يتعلق بأحداث تلك الفتنة العمياء، على أي أحدٍ ممّن خاض في تلك الفتنة، أو من أُصيب بشيء من شررها، وإنما كل ما أريده الآن هو دفع الاتهامات
117