لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ١٢٠120
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المنسوب إلى ابن قتيبة، وهو ليس من مؤلفات الإباضية، ومع غضّ النظر عما احتواه هذا النقل أهو كله صحيح أو أن فيه بعض المبالغات، فإنني أردت بإيراد هذا الكلام أن أثبت أن من غير الإباضية من تعرض لهذه الأحداث بأكثر مما تعرض له الإباضية.
وإذا جئنا إلى أعلام الفكر الإسلامي في عصرنا الحاضر، نجد كثيراً منهم تناولوا هذه الفتنة، وتحدّثوا عما جرى فيها بكل جرأة، ومن هؤلاء شهيد الإسلام الأستاذ سيد قطب في كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام» فقد قال:
وهذا التصوّر لحقيقة الحكم قد تغيّر شيئاً ما - دون شك - على عهد عثمان، وإن بقي في سياج الإسلام، لقد أدركَتْ الخلافة عثمان وهو شيخ كبيرٌ، ومن ورائه مروان بن الحكم يُصرف الأمر بكثير من الانحراف عن الإسلام، كما أنّ طبيعة عثمان الرخية، وحدبه الشديد على أهله، قد ساهم كلاهما في صدور تصرفات أنكرها الكثيرون من الصحابة
من حوله، وكانت لها معقبات كثيرة، وآثار في الفتنة التي عانى الإسلام منها كثيراً. منح عثمان من بيت المال زوج ابنته الحارث بن الحكم يوم عرسه مائتي ألف درهم، فلما أصبح الصباح جاءه زيد بن أرقم خازن مال المسلمين، وقد بدا في وجه الحزن، وترقرقت في عينيه الدموع، فسأله أن يعفيه من عمله، ولما علم منه السبب وعرف أنه عطيته لصهره من مال المسلمين، قال مستغرباً: أتبكي يا ابن أرقم أن وصلت رحمي؟ فرد الرجل الذي يستشعر روح الإسلام المرهف لا يا أمير المؤمنين، ولكن أبكي لأني أظنك أخذت هذا المال عوضاً عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لو أعطيته مائة درهم لكان كثيراً، فغضب عثمان على الرجل الذي لا يطيق ضميره هذه التوسعة من مال المسلمين على أقارب خليفة المسلمين، وقال له: ألقِ يا ابن أرقم، فإنا سنجد غيرك).
والأمثلة كثيرة في سيرة عثمان على هذه التوسعات، فقد منح الزبير ذات تسعمائة يوم، ومنح طلحة مائتي ألف، ونفق مروان بن الحكم ثلاث خراج إفريقية، ولقد عاتبه
ألف
في ذلك ناس من الصحابة على رأسهم علي بن أبي طالب الله فأجاب: إنّ لي قرابةً ورحماً، فأنكروا عليه وسألوه: فما كان لأبي بكر وعمر قرابة ورحماً؟! فقال: إنّ أبا بكر وعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما، وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي، فقاموا عنه غاضبين يقولون: فَهُدَاهُمَا والله أحبُّ إلينا من هذا.