لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ١٢٣الصحوة الإسلامية
افتتحوا مدائن كسرى، وهزموا قيصر واستطاعوا أن يطؤوا بأقدامهم على عرشيهما كانوا عاجزين عن فكّ الحصار على عثمان الذي استغرق مدة شهر وهم في عاصمة الإسلام على صاحبها أفضل الصلاة والسلام؟!
وعبد
جاء أيضاً في كتاب «الإمامة والسياسة المنسوب إلى ابن قتيبة أيضاً في وصف حادثة دفن عثمان ما نصه: وذكروا أن عبد الرحمن بن أزهر قال: لم أكن دخلت في شيءٍ من أمر عثمان لا عليه ولا له، فإنّي لجالس بفناء داري ليلاً بعدما قتل عثمان بليلة إذ جاءني المنذر بن الزبير فقال: إنّ أخي يدعوك، فقمتُ إليه، فقال: إنا أردنا أن ندفن عثمان فهل لك؟ فقلت: والله ما دخلتُ في شيءٍ من شأنه، وما أريد من ذلك، ثم انصرف فاتبعته، فإذا هم في نفر فيهم جبير بن مطعم، وأبو الجهم بن حذيفة، والمسور بن مخرمة، الله ابن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، فاحتملوه على الباب، وإنه رأسه ليقول: طق، طق، فوضعوه في موضع الجنائز، فقام إليهم رجالٌ من الأنصار فقالوا لهم: لا والله لا تُصِلُّونَ عليه، فقال أبو الجهم: ألا تَدَعُونا نصلي عليه؟! فقد صلّى عليه الله تعالى وملائكته، فقال له رجلٌ منهم: إن كنت فأدخلك الله مدخله فقال: حشرني الله معه، فقال: إنّ الله حاشرك مع الشياطين، والله إن تركناكم به لعجز منا، فقال القوم لأبي الجهم: اسكت عنهم وكُفَّ فَكَفَّ، فاحتملوه، ثم انطلقوا مسرعين، وإنّي أسمع وقع رأسه على اللوح حتى وضعوه في أدنى البقيع، فأتاه جبلة بن عمر الساعدي من الأنصار فقال: لا والله لا تدفنوه في بقيع رسول الله، ولا نترككم تصلّون عليه، فقال أبو الجهم: انطلقوا بنا فإن لم نصل عليه فإنّ الله قد صلّى عليه، فخرجوا ومعهم عائشة بنت عثمان معها مصباح في «حق» حتى إذا أتوا به «حش كوكب حفروا له حفرة، ثم قاموا يصلّون عليه، وأمهم جبير بن مطعم، ثم أدلوه في حفرته، فلما رأته ابنته صاحت، فقال: والله لئن لم تسكتي لأضربن الذي فيه عيناك، فدفنوه ولم يلحدوه باللبن، وحتّوا عليه التراب» (1).
فما نقل في هذا الكتاب - وهو من غير مؤلفات الإباضية قطعاً - يدلّ على موقف جماعة من الأنصار من هذه الفتنة، فهل يمكن بعد ذلك أن تحكم بأن الذين قتلوه هم رعاع النّاس، جاءوا شذاذاً من الآفاق إلى المدينة المنورة، فاستطاعوا أن يحققوا مقصدهم،
(1) ابن قتيبة؛ الإمامة والسياسة: 46/ 1.
123