لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ١٢٤124
لقاعات
في الفكر و الدعوة
وأن يصلوا إلى غايتهم، وأن يصدعوا الإسلام بقتل خليفته، مع عجز المهاجرين والأنصار عن الكفّ عنه، إن ذلك مما لا يقبله المنطق السليم، وإنني مع ذلك كله لا أريد أن أُعلّق بشيء على ما قاله المؤرّخون، وأقول: إنّ العهدة عليهم بأنفسهم، ولستُ أستطيع أن أحكم بشيء في تلك الأحداث العظيمة، وإنّما أقول ما قلته من قبل: بأن السلامة في العمل بقوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [البقرة: 134]، وما أردتُ بما ذكرته هنا إلا تبرئة الإباضية من التهمة التي ألصقت فهم ليسوا وحدهم الذين يتحدثون عن الأحداث التي وقعت في عهد الخليفة الثالث، وإنما كثير من المؤرخين والكاتبين من المتقدمين والمتأخرين تحدّثوا عنها، فكيف يُنْحَى باللوم في ذلك على الإباضية وحدهم وينسى الآخرون الذين كانوا في ذلك أشدّ منهم؟!! إن ذلك لأمر عجب يدلّ على عدم التجرد من التعصُّب من هؤلاء الذين ينحون باللائمة على الإباضية، ولا يتعرضون لغيرهم من الذين خاضوا في هذه الأحداث.
بهم،
وأما بالنسبة للخليفة الرابع علي بن أبي طالب - كرّم الله وجهه - فإنّ الإباضية لا يزيدون عن حكاية ما حدث في عهده، ولا ينالون من شخصه وهم أكثر الناس تقديراً له واحتراماً لصحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم و قرابته منه، ويدركون كلّ الإدراك أنّه من أفقه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثرهم اطلاعاً على سيرته - عليه أفضل الصلاة والسلام -، وأكثرهم علماً بكتاب الله، ولذلك كثيراً ما يأخذون بآرائه في الفقه كما هو واضح في كتبهم الفقهية فيما لا يأخذ فيه الجمهور بآرائه.
وإنما يتعرضون لقضيّة التحكيم، تحكيم الحكمين الذي أُكره عليه الإمام علي، ولم يكن راضياً عنه، وقد نصحه كثير من أصحاب العقول الراجحة والأفكار النيرة والبصائر الراشدة عن قبوله له، ولكن الظروف أجبرته على قبوله، ثم بعد ذلك انقلب أولئك الذين ارغموه على التحكيم إلى أولئك الذين رفضوا التحكيم بعد ظهور آثاره السلبية، فكان هذا الانقلاب سبباً لقتلهم وإبادة جم غفير منهم، وتجد الأُمة كلّها تقف موقف غير المنصف في هذه القضية، فنجد أولئك الذين ناصروا الإمام عليّاً، ووقفوا بجانبه وعضدوه، وحرصوا أن لا تنال الخدعة منه ولا تزلزل شيئاً من أمره، نصيبهم أن يُرْمَو من قبل الكتاب بتهمة المروق من الدين، فكم كان حظ أهل النهروان أن يعرّضوا للقدح والتكفير من قبل كثير