لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ١٢٥الصحوة الإسلامية
من الكتاب، مع أن هؤلاء الكتاب أنفسهم يعذرون الذين قاموا على الإمام علي بقصد القضاء على الخلافة الإسلامية، وتحويلها إلى ملك عضوض، فتجدهم يعذرون معاوية بن أبي سفيان وأصحابه أهل الشام، الذين نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنهم بغاة يدعون إلى النار فقد تواتر عنه عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال: «ويحَ عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار إذ جاء هذا الحديث من رواية ثلاثين صحابياً عن النبي الله منهم عثمان بن عفان وأم سلمة وأبو هريرة وحذيفة وأبو أيوب وأبو رافع وخزيمة بن ثابت ومعاوية وعمرو بن العاص وعبد الله بن عمرو وأبو اليسر وعمار نفسه، وكم برر شراح الحديث موقف معاوية وأهل الشام وحربهم للخليفة الشرعي وشقهم العصى وسفكهم الدم الحرام بدعوى أنهم كانوا مجتهدين، وليت شعري؛ أيكون الاجتهاد في أمر ينص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القائم به داع إلى النار؟!! فإن الدعوة إلى النار لا تكون إلا بمخالفة القواطع النصّية، والخروج عن سُنن الحق، والتنكر للحقيقة، وإنما مجال الاجتهاد في الأمور الظنية التي لا يقطع فيها العذر، وهل ثم قطع عذر أبلغ من القول، بأن المخالف داع إلى النار والعياذ بالله تعالى.
وإذا كان معاوية مجتهداً فلم لا يُسوّغ الاجتهاد لأهل النهروان مع أنهم لم يخرج اجتهادهم عن إنكار ما يؤدي إلى تصدع الدولة الإسلامية، وطي الخلافة الراشدة، وتحويلها إلى ملك عضوض ترسخ فيه مبادئ الاستبداد؟!! وإذا كانوا يعللون هذا بأن معاوية كان من صحابة رسول الله، ففي مقابل هذا نجد كثيراً من أهل النهروان أيضاً من صحابة رسول الله، ومنهم حرقوص بن زهير السعدي، الذي نسجوا حوله الأساطير التي تنافي مبادئهم التي عوّلوا عليها في شأن الصحابة، وثم آخرون أيضاً من الصحابة كانوا في أهل النهروان، بل منهم من شهد بدراً وحضر بيعة الرضوان فكيف ينفى عنهم وصف صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكال لهم بمكيال آخر غير الذي كيل به لمعاوية؟!!
الله
أما ما كتبه الإباضية فيما يتعلق بأمر الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب - كرّم وجهه ـ فهو يتسم في غالبه بالأدب والتوقير وتعظيم مقام ذلك الإمام واحترام قرابته من النبي صلى الله عليه وسلم حتى في مقام العتاب، فهذا العلّامة أبو مسلم يقول في قصيدته الرائية المشهورة «براية المحكمة»:
125