لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ١٣٦

136

لقاعات

في الفكر و الدعوة

ولم يخف هؤلاء المعتدون ما في نفوسهم من مشاعر الحقد على الإسلام والحرص على النيل من أصحاب النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - أخذاً بثأر طواغيت الجاهلية الذين قتلوا في وقعة بدر ومن بينهم أجداد طاغوت الدولة المعتدية، فقد قال شاعر تلك

الدولة

ليت أشياخي ببدر شَهِدُوا جَزَعَ الخزرج من وَقَع الأَسَلْ جينَ حَكَّتْ بِقُباء بَرْكَها واستحرَّ القَثل في عبد الأشل

على أن هذه الدولة نفسها استباحت دم الحسين بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما حاول أن يغير فسادها فقتلته شر قتلة ومثلت به شرّ تمثيل، إذ جزّ رأسه وحمل هدية إلى طاغوت تلك الدولة المتربع على عرشها ببلاد الشام.

وإذا أراد المنصف أن يقارن بين هذه الوحشية البالغة والهمجية الرعناء من بني أُمية ورجالهم، وبين صنيع أبي حمزة الشاري وأصحابه، رأى البون الشاسع والخلاف الذي لا يقاس بحد إذ لا يقرن حق بباطل ولا هدى بضلال ولا علم بجهل ولا حلم بطيش، {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَارِ [ص: 28].

فإن أبا حمزة لم يقاتل أحداً في الحرمين الشريفين، وإنما قاتل في قديد مضطراً لما اعترضه أهل المدينة وحاول أن يُقنعهم بأن ينثنوا عن قتاله، ولكنّهم أبوا إلا الإصرار عليه، وقال لأصحابه: كفّوا عنهم ولا تبدؤوهم بالقتال حتى يبدؤوكم»، فما كان من أهل المدينة إلا أن رشقوا جند أبي حمزة بسهامهم، فأصيب أحد رجاله، فقال لأصحابه: «دونكم الآن فقد حلّ قتالهم».

(1)

وقد كان تاريخه كله مثالاً للاستقامة والنزاهة والبعد عن المؤشّرات النفسية والعصبية، فلم يمل إلى الانتقام لنفسه أو لأصحابه كما شهد التاريخ بذلك، وحسبك من ذلك ما تجده في كتاب البلاذري «فتوحات البلدان»، وكتاب «الأغاني» (1) لأبي الفرج الأصفهاني، وكتاب «مختارات الأغاني لابن منظور، وهذه الكتب كلّها ليست من كتب الإباضية وإنما غلب عليها ذكر الحقيقة كما هي فأبرزت ما يحاول الحاقدون ستره من مناقب هذه الفئة.

(1) يُراجع الجزء الثالث والعشرون من كتاب الأغاني.

١٣٦ / ٤٩٤