لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ١٣٧

الصحوة الإسلامية

الفقر وفي

أشد

وكفى دليلاً على سلامة منهج الإباضية وحرصهم على العدل والإنصاف حتى في المواقف حساسية أنّهم لما خرجوا بقيادة الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي من حضرموت إلى صنعاء، وكان معه قائده أبو حمزة المختار بن عوف، وكانوا في منتهى أشد الحاجة، حيث يصفهم أبو حمزة بقوله: «النفر الكثير منهم يتعاقبون على بعير واحد ويتعاورون لحافاً واحداً»، ولكنهم لما فتحوا صنعاء وأخرجوا منها العامل الأموي القاسم بن عمر الثقفي، وجدوا خزائن الأموال مكدّسةً، فأبى الإمام طالب الحق الله تعالى - أن يأخذ شيئاً من تلك الأموال لنفسه ولا لأصحابه ـ مع أنهم كسروا طوق الظلم المحيط بصنعاء واليمن -، وإنّما فرّقوا تلك الأموال بين أهل صنعاء من غير تفرقة بين أصحاب مذهب وآخر، ذلك أنّهم رأوا أن هذه الأموال جبيت بغير حقٌّ من أهل صنعاء، فيجب أن تردّ عليهم، وفي هذا يقول نور الدين السالمي الله:

رحمه

وطالب الحق بصنعاحَكَمًا

لم يأخذن عند مضيق يومه تعففاً منهم ومن كمثلهم كانوا يموتون على ما أبصروا

بجعلها في أهلها واحتشما

لنفسه ولا لقومه

أكرم بهم من عصبة أكرم بهم من الهدى ما بدلوا وغيروا

وكم سجل التأريخ من سيرهم ما هو مثال في الاستقامة والورع والاحتياط، فعندما جاء ابن عطية قائد الجيش الأموي من بلاد الشام إلى الحجاز ليقاتل أبا حمزة الشاري منع أبو حمزة أصحابه أن يناوشوهم القتال حتى يقيموا عليهم الحجة وحسبك هذا النص الذي أورده أبو الفرج الأصفهاني - وهو أموي نسباً - في كتابه «الأغاني» حيث قال:

وقال هارون في خبره أخبرني عبد الملك بن الماجشون قال: لما التقى أبو حمزة وابن عطية قال أبو حمزة: لا تقاتلوهم حتى تخبروهم، فصاح بهم: تقولون في القرآن والعمل به؟ فصاح ابن عطية: نضعه في جوف الجوالق قال: فما تقولون في مال اليتيم؟ قال: نأكل ماله ونفجر بأمه، ثم أجاب في أشياء بلغني أنه سأله عنها فلما سمعوا كلامهم قاتلوهم حتى أمسوا فصاحت الشراة ويحك يا ابن عطية إن الله وعمل قد جعل الليل سكناً فاسكن ونسكن فأبى وقاتلهم حتى قتلهم جميعاً (1).

(1) الإغاني، لأبي الفرج الأصفاني، ج 23، ص 262، دار الفكر للطباعة والنشر، لبنان.

137

١٣٧ / ٤٩٤