لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ١٣٨لقاعات
في الفكر و الدعوة
فبالله عليكم أي الفريقين أقوم قيلاً وأهدى سبيلاً؟ أأولئك الذين يقاتلون من أجل التسلط على اليتيم بأكل ماله والفجور بأمه ويرمون كتاب الله في جوف الجوالق، أم هم الذين يقاتلون في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وإقامة موازين القسط وطي صفحة الظلم، حتى ينال اليتيم والمسكين وابن السبيل وغيرهم من المستضعفين راحة وطمأنينة، وتعود إليهم حقوقهم المسلوبة، ويعيشوا كراماً أعزة في كنف دولة تتقي الله وتخشاه؟! ليت شعري، أيقال: إن أولئك الجورة الظالمين هم أسعد بالحق وأرضى الله تعالى بأعمالهم، وإن هؤلاء الذين تَجِفُ قلوبهم وتئز صدورهم بما تزاحم فيها من خوف الله ورجائه، وما شغلها من ذكر عقابه وثوابه، هم المارقون الضالون المضلون؟!! أليس هذا من انقلاب الموازين واختلال المعايير عند هؤلاء الناس؟! أليست رزية الأُمة التي نكبت بها منشؤها هذه العقول التي لا تفكر إلا بروح العصبية المقيتة التي تجني على الإسلام حتى تجعل أرباب دولته هم الذين يرمون بالقرآن في الجوالق، ويسعون في الأرض فساداً فلا يسلم منهم يتيم أن يأكلوا ماله ويفجروا بأمه؟! ليت شعري أبهذا بعث رسول الإسلام عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام؟! أم على هذا بايعه المهاجرون والأنصار فقاتلوا من أجله واستشهدوا في
سبيله؟!
قارن بين سلوك هؤلاء وسلوك أولئك الشباب الذين قادهم أبو حمزة الشاري إلى هذه المعارك فلم ينسوا - وهم يصلون سعيرها المضطرم ويكابدون لأواءها وقسوتها - أن تسيح أرواحهم في ملكوت الله فكان كلال ليلهم من التهجد والقيام وكلال نهارهم من الجهاد والصيام، وقد وصفهم قائدهم المختار على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاباً عنهم استخفاف المستهزئين، فقد قال في خطبته الطويلة التي بيّن فيها مبررات ثورته وقيامه بعد أن قارن بين الحال في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وما آل إليه الأمر في عهد بني أُمية:
«يا أهل المدينة تعيرونني بأصحابي تزعمون أنّهم شباب، وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شباباً، نعم شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيضةً عن الحرام أعينهم، بطيئة عن الشر أقدامهم، أنضاء عبادة وأطلاح، سهر موصول كلالهم بكلالهم (1)، وقيام ليلهم
(1) أي: كلال الليل بكلال النهار (راجع الجاحظ، البيان والتبيين، 159/ 1).
138