لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ١٣٩

الصحوة الإسلامية

بصيام نهارهم، قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم من طول السجود، مصفرة ألوانهم، ناحلة أجسامهم من كثرة القيام وطول الصيام، لقد نظر الله إليهم في جوف الليل، منحنيةً أصلابهم على أجزاء القرآن، إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنّة بكى شوقاً إليها، وإذا مر بآيةٍ فيها ذكر النار شهق شهقة كأنّ زفير جهنم في أذنيه، مستقلون ذلك في جنب الله مستنجزون لوعد الله، حتى إذا رأوا سهام العدو قد فُوقَتْ، ورماحه قد أُشرعت، رعت، وسيوفه قد انتضيت وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت وأبرقت، استهانوا بوعيد الكتيبة لوعد الله، فلقوا شبا الأسنّة وشائك السّهام وحدّ السيوف بوجوههم وصدورهم ونحورهم، ومضى الشاب هناك قُدماً حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه فَخَرَّ صريعاً في الثرى، ورملت محاسن وجهه بالدماء، وأسرعت إليه سباع الأرض، وانحط إليه طير السماء، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خشية الله، أُبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها في سجوده لله، وكم من خد عتيق قد فُلق بعمد الحديد، فرحم الله تلك الأبدان وأدخل أرواحهم الجنان».

وكم من يد

فبالله عليكم ألم تكن هذه الصفات انعكاساً لما كان يتصف به المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان؟ فبأي برهان يفصل هؤلاء عن أولئك حتى لا يعدوا امتدادًا لهم وأثراً لدعوتهم وثمرة لجهادهم؟

هذا؛ وإن شئت معرفة المتسامح من المتشدد فقارن بين ما جاء في مسند الإمام الربيع بن حبيب، الذي روى عن النبي الله أنه قال: «الصلاة على موتى أهل القبلة المقرين بالله ورسوله واليوم الآخر واجبة فمن تركها فقد كفر (1) أي كفر نعمة وهو المسمى عند أهل الحديث بـ «كفر دون كفر»، وبين ما جاء في «المدونة الكبرى» للإمام مالك ونصه: «(قلت) أرأيت قتلى الخوارج أيصلي عليهم أم لا (قال) قال مالك في القدرية والإباضية لا يصلي على موتاهم ولا تتبع جنائزهم ولا تعاد مرضاهم فإذا قتلوا فذلك أحرى أن لا يصلى عليهم» (2)، وذكر هذا ابن قدامة في «المغني»

(1) مسند الربيع، ص "

297

(2) المدونة الكبرى، ج 1، ص 182، وانظر: ج 3، ص 48.

(3) المغني لابن قدامة، د 9، ص 11.

139

١٣٩ / ٤٩٤