لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ١٤١الصحوة الإسلامية
بأداء فروضه وتجنب نواهيه - إلى حد الغلو - وبغضهم المفرط لأصحاب الظلم والفساد، وبفضل هاتين الصفتين استطاعوا أن يحققوا لأنفسهم عزا دينياً، ومجداً سياسياً، خلد ذكرهما في التاريخ (1).
وقال بعد ذلك: «حافظوا على صفاء الرسالة المحمدية في أصول مذهبهم، ولم ينحرفوا عن النهج القويم الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته البررة في سلوكهم وأمور، معاشهم، ولا اقترف ولاتهم إثماً، ولا مارسوا في قيادتهم ظلماً، ولا أي لون من ألوان العسف التي لم يبرأ منها إلا القليل من الولاة سواهم.
بل إن الظلم في حقهم كان مستحيلاً، لا لكونهم، معصومين، بل لأن رجل الدين عندهم ورجل السياسة واحد، والقائم بأمر الناس فيهم هو الإمام نفسه، وتلك هي قاعدة الإسلام في الحكم التي سار عليها الخلفاء الراشدون، وعليها حافظوا ودونها نافحوا، فمن الطبيعي أن ينتشر مذهب هذا شأنه، وأن يُقبل على اتباعه الناس ببلاد المغرب ليجدوا في أكنافه الأمن والكرامة، وهم من سئموا حياة الاضطراب والظلم على أيدي الكثير من عمال بني أُمية وبني العباس» اهـ (2).
وناهيك مثالاً حياً على التزام الإباضية العدل والإنصاف في معاملة خصومهم في ميادين المعركة أن الإمام أبا الخطاب المعافري لحم الله عندما دخل القيروان وقاتل قبيلة وارفجومة التي كانت على المذهب الصفري، وكانت متسلطة في تلك المدينة، منع حمد لله جيشه عن أخذ أي شيء من أسلاب جيش عدوه، وحكى ذلك البدر الشماخي الله فذكر صنيع الإمام فقال: «فتفقد رحم الله القتلى فوجد واحداً منهم مسلوباً، فنادى مناديه من أخذ من القتلى شيئاً فليرده، فلما أيس دعا الله ربه - وكان مستجاب الدعاء ـ أن يفضحه على رؤوس الخلائق، فركبوا خيلهم ليجروها وانقطع حزام جميل السدراتي وسقط وظهر السلب تحت سرجه فأخذه الإمام وأدبه وكان الله أحسن السيرة فيهم حين هزمهم لم يجهز على جريح ولم يتبع مدبراً فقال له خالد اللواتي: نأكل من أموالهم كما يأكلون من أموالنا.
(1) الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزبيرية، ص 104، الدار التونسية للنشر.
(2) المرجع السابق، ص 104 - 105.
141