لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ١٥٩الصحوة الإسلامية
رُسُلِكَ وَلَا تُخزَنَا يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الميعاد} [آل عمران 193 - 194]، وهذا لأن وعد الله على رسله إنما هو لعباده المؤمنين، ونحوه ما حكاه عن مؤمني أهل الكتاب من قولهم: رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ} [المائدة: 83]، وقوله فيهم: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: 53]، فهؤلاء جميعاً نسبوا إلى أنفسهم الإيمان بغير استثناء، وما هو إلا إذعان منهم للحق واستجابة لداعي
الله تعالى.
وهذا كما نسب إلى المؤمنين قولهم: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة: 285] إذ هو لا يعبر إلا عن انقيادهم، وقبولهم للحق، ورغبتهم فيما عند الله، ولا يعني ذلك بحال أنهم بهذا مبرئون لأنفسهم من المعاصي، فالممنوع إنما هو تزكية النفس بأي قول كان، وما كان من القول دالا على الإذعان والطاعة فهو مطلوب ومحمود.
والذين ذهبوا إلى ضرورة الاستثناء إنما نظروا إلى أن الإيمان إذ اتصف به على حقيقته أحد من الناس كان جديراً برضوان الله تعالى وتبوئه الدرجات العلى في الجنة، وهذا مقام لا يوصل إليه بالادعاء والتمني، ولكن بالاجتهاد في العمل، وإخلاصه لله تعالى والاستمرار على ذلك إلى يوم لقاء الله، وأنّى لأحد أن يجزم لنفسه بهذا، وهو أمر لا يصل إليه العبد بطاقته وعزيمته ما لم يصحبهما توفيق من الله سبحانه؟ وبأي طريق يستطيع الوصول إلى إحراز ذلك؟ فإن طريق الحياة محفوفة بالمخاطر لما ينتاب الإنسان فيها من رغبات النفس الجامحة وشهواتها المردية، وفي كل مرحلة من مراحلها يواجه فيها عقبات كأداء ليس من اليسير اجتيازها إلا إن يسر الله له ذلك، فقصارى ما يمكن أن يقوله العبد عن نفسه، وهو يجتاز هذا المسلك الوعر أن يخبر عن نفسه بأنه في بداية الطريق الموصل إلى تلكم الغاية التي ينوط بها رجاءه مع خشيته من العثرة والانحراف، ورد كل شيء إلى من بيده الأمر كله الذي يصرف الأمور كلها كما يشاء.
ولست إخال أن الذين لم يروا الاستثناء يقولون بجواز القطع ببلوغ المدى، وأن للعبد أن يزكي نفسه بما يخبر به من إيمانه ولكن عندما يقول ما يدلّ على إيمانه إنما يعلن عن إذعانه وانقياده وعدم استكباره على الحق الذي أمر باتباعه، كما أنني لا إخال أن أحداً من أصحاب الرأي الآخر يمنع من التعبير عن هذا الإذعان بمثل هذا القول، وبهذا يتبين أن الخلاف في أصله لم يكن إلا اعتباريا.
159