لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ١٦٣

الصحوة الإسلامية

وَأَكُن مِّنَ الصَّلِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون: 9 - 11]، فإنه لا يشك عاقل أن هذا التحذير كله إنما هو موجه إلى هذه الأمة ليأخذ كلّ أحد حذره وليعمل جهده في طاعة الله الله غير مغتر بالأماني، ولا متشبث بالأوهام ولا معول على شفاعات الشافعين، ووساطات المتوسطين، فإنه لا شفاعة يومئذ إلا لمن أذن له الرحمن ورضي له قولاً، وقد أخبر الله أنه لا يرضى عن الفاسقين في قوله: ﴿فَإِن تَرْضَوا فإنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 96].

عنهم

وفي هذا ما يؤذن بأن الفسوق هو السبب في عدم رضى الله تعالى عن هؤلاء القوم، ولا شك في أن كل مرتكب لكبيرة فاسق، إذ لا مرية في فسوق شارب الخمر والزاني وقاتل النفس المحرمة بغير حق وآكل الربا والعاق لوالديه وقاطع الرحم ومانع الحق وتارك الصلاة ومانع الزكاة ومن تعمد الفطر في رمضان بغير عذر شرعي وغيرهم من الظالمين فإن الفسوق هو الخروج كما قال الشاعر: يذهبن في نجد وغوراً غائراً

فواسقا عن قصدها جوائرا

ومن فعل شيئاً مما تقدم فهو خارج عن طاعة الله، فلذلك استحق اسم الفسوق، وهذا حكم من الله سبحانه، وقد قال الأصوليون إن الحكم على المشتق يؤذن بأن أصل ذلك الاشتقاق علة لذلك الحكم، فالفسوق إذاً هو علة لحكمه تعالى عليهم بعدم الرضى عنهم.

ولا

أن ريب عدم تساوي البررة والفجرة في الجزاء عند الله تعالى هو من مسلمات العقول، لأن العدل الإلهي يستحيل أن يتساوى في موازينه البررة الذين يخشون الله ويتقونه فيحرصون على التوبة من كل ما قارفوه من السيئات وارتكبوه من المناهي، مع الفجرة الذين لا يبالون بأوامر الله ونواهيه ولا بوعده ووعيده فيعطون أنفسهم مناها من الشهوات ويرتكبون كل ما تسوله لهم، وجاءت النصوص القرآنية مؤكدة هذه المسلمات العقلية فقد قال تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَارِ} [ص: 28]، وقال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن تَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ سَوَاءَ تَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21].

وقد بين الله أنه يغفر ذنوب التائبين لا ذنوب المصرين، فقد قال عزّ من قائل في سورة

163

١٦٣ / ٤٩٤