لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ١٦٥الصحوة الإسلامية
كان عنيناً أو لم يكن امتناعه إلا بالضرورة للعجز أو كان قادراً ولكن امتنع لخوف أمر آخر فهذا لا يصلح للتكفير أصلاً وكل من لا يشتهي الخمر بطبعه ولو أبيح له لما شربه فاجتنابه لا يكفر عنه الصغائر التي هي مقدماته كسماع الملاهي والأوتار نعم من يشتهي الخمر وسماع الأوتار فيمسك نفسه بالمجاهدة عن الخمر ويطلقها في السماع فمجاهدته النفس بالكف ربما تمحو عن قلبه الظلمة التي ارتفعت إليه من معصية السماع فكل هذه أحكام أخروية ويجوز أن يبقى بعضها في محل الشك وتكون من المتشابهات فلا يعرف تفصيلها إلا بالنص ولم يرد النص بعد ولا حد جامع بل ورد بألفاظ مختلفات فقد روى أبو هريرة له أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة إلى الصلاة كفارة ورمضان إلى رمضان كفارة إلا من ثلاث إشراك بالله وترك السُّنَّة ونكث الصفقة»، الحديث أخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة نحوه وقال: صحيح الإسناد. قيل: ما ترك السُّنَّة؟ قيل: الخروج عن الجماعة ونكث الصفقة أن يبايع رجلاً ثم يخرج عليه بالسيف يقاتله فهذا وأمثاله من الألفاظ لا يحيط بالعدد كله ولا يدل على حد جامع فيبقى لا محالة مبهماً» اهـ (1).
وحاصل ما ذكره هنا أن كل معصية كبيرة تسبقها مقدّمات، فإذا ألم بالإنسان داع من الشيطان إلى ارتكاب شيء منها وشرع في مقدماتها فقد غشي محارم الله ورعى حول حماه المحرم، فإن أدركته عناية الله وأفاق من سكرته بحيث ألم به من وازع الخوف من الله ما يباعد بينه وبين مقارفة تلك الكبيرة نفسها كانت هذه المقدّمات التي أتاها صغائر معفوة باجتنابه الكبيرة التي تفضي إليها، ذلك لأن الادكار الذي حال بينه وبينها إنما هو من وازع التقوى كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَيفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم [الأعراف: 201]، أما إن حُرِمَ من هذه العناية الربانية فلم يفز بهذا الادكار حتى غشي تلك الكبيرة لم تكن مقدّماتها صغائر معفوة باجتنابه تلك الكبيرة بل تغدو كبائر يؤاخذه الله بها، لأنه لم يرعو عن تعدي حدود الله، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النساء: 14].
مُّبْصِرُونَ
فمن زيّن له الشيطان الزنا - والعياذ بالله - يأتي بين يدي هذه الفاحشة مقدّمات متعددة إذ لا بد من أن تسبقه نظرة محرمة ثم تتبعها مراودة ثم تليها أفعال متعددة كاللمس
(1) إحياء علوم الدين أبو حامد الغزالي، دار المعرفة، بيروت، ج 4، ص 22.
165