لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ١٦٦

166

لقاعات

في الفكر و الدعوة

والتقبيل والعناق، فإن ادّكر وأقلع عن غيه وثاب إلى رشده كانت هذه مقدمات معفوة باجتناب كبيرة الزنا، وإن استرسل في غفلته وتتابعت عنده المقدّمات حتى ركب الفاحشة كانت كلها كبائر يؤاخذ بها لأنه لم يلو على أمر الله ونهيه ولم يزدجر من خشيته ولم ينثن عن غيه.

ومثل ذلك ما إذا حبب إليه الشيطان قتل نفس محرمة بغير حق، فإنه يسبق إقدامه إلى ذلك إصراره على فعله وإتيانه لمقدماته من إعداد السلاح الفاتك والترصد للمقتول فإن هو انثنى عن هذا بما ينقدح في نفسه من خشية ربه كانت هذه المقدّمات صغائر معفواً عنها بتركه الإقدام على ما تؤدي إليه.

وكذلك إن زينت له نفسه الأمارة بالسوء شرب الخمر، فإنه يخطو خطوات إلى ارتكابه هذا الأمر المحظور الذي يستحق به لعنة الله تعالى وسخطه، فيذهب أولاً إلى الحانة ويأخذ في الأسباب فإن أقلع لما يغشاه من خوف الله الله كان ذلك سبباً للعفو عن تلك التي أتاها، لأن حاجز التقوى حال بينه وبين إتيان ما يشتهيه، وإن أصرّ وركب

المقدمات

المحظور كان مؤاخذاً بكل ما كان بين يدي هذه الكبيرة.

وما من ريب أن الأسباب والمسببات كلها منهي عنها وإنما تتفاوت درجاتها، فإن استرسل في الاستخفاف بالنهي حتى وصل إلى حدها الأقصى كانت كلها كبائر، لأنه لم يثنه عنها داعي الخشية والمهابة من الله، وإن ندم وأقلع كان ذلك رجوعاً منه إلى الله تعالى، ولذلك قال تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مدْخَلا كَرِيمًا﴾ [النساء: 31]، فالكبيرة تكون في كل منهي عنه وما دونها صغير إن امتنع من مقارفة الكبيرة لما أدركه من الادكار الناشيء من خشية الله تعالى ورجائه. ومصداق ذلك في قول النبي: العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان ويصدق ذلك ويكذبه الفرج» (1).

(1) أخرجه الربيع في مسنده عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس له رقم (635)، ورواه أحمد عن ابن مسعود رقم (3717)، وعن أبي هريرة رقم (8183)، ورواه عبد الرزاق عن أبي هريرة بلفظ «العين تزني»، والطبراني في المعجم الكبير عن ابن مسعود أو يعلى الموصلي عن عبد الله وأبي هريرة، وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة، وهو عند البخاري من طريق ابن عباس ها وفيه «فزني العين النظر»، وعند مسلم من طريق أبي هريرة بلفظ: «فالعينان زناهما النظر».

١٦٦ / ٤٩٤